وتستند هذه الصيغة إلى 207 مقاعد بمجلس النواب، موزعة بين 97 مقعداً لحزب الأصالة والمعاصرة، و65 لحزب الاستقلال، و26 للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، و19 لحزب التقدم والاشتراكية، أي بأغلبية تتجاوز العتبة المحددة في 198 مقعداً بتسعة مقاعد فقط.
ورغم أن هذه التركيبة توفر من الناحية العددية الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، إلا أنها تظل غير مطمئنة لكون هامش الأمان السياسي والبرلماني محدود، خصوصاً في ظل انتظار ما ستسفر عنه الطعون الانتخابية المعروضة على المحكمة الدستورية، والتي قد تؤثر في بعض المقاعد، وبالتالي في الرصيد العددي للأغلبية المقبلة.
وفي المقابل، تبرز إمكانية تموقع فريق الدستوري الديمقراطي (25 نائبا)، و يضم الاتحاد الدستوري (17مقعدا) والحركة الديمقراطية الاجتماعية (8 مقاعد) في موقع المساندة النقدية، بما قد يوفر للحكومة هامشاً إضافياً من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانضمام إلى الأغلبية الحكومية.
وفي الجهة المقابلة، يتجه التجمع الوطني للأحرار، الذي حصل على 66 مقعداً، وحزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً، والحركة الشعبية ب 30 مقعداً، وتحالف اليسار بـ8 مقاعد، إلى تموقع معارض، بما يعني أن المشهد البرلماني المقبل قد يشهد انتقالاً واضحاً في مواقع عدد من الأحزاب مقارنة بالولاية السابقة.
وتكتسي هذه الصيغة أهمية سياسية تتجاوز الحساب العددي للمقاعد، بالنظر إلى أنها تعيد إلى الواجهة، ولو بشكل مختلف، مكونات الكتلة الديمقراطية التاريخية، بعدما كانت هذه الأحزاب قد سلكت خلال السنوات الماضية مسارات سياسية متباعدة، بل دخلت في مراحل من التنافس والخلاف الحاد بين قياداتها.
ويشار إلى أن عودة هذه المكونات إلى طاولة واحدة، هذه المرة تحت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، لا تعني بالضرورة عودة "الكتلة" بصيغتها التاريخية، بقدر ما تعكس تقاطعاً ظرفياً في المصالح والحسابات السياسية التي أفرزتها نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026.
ويذكر أن الانتخابات التشريعية الأخيرة أعادت ترتيب موازين القوى؛ إذ تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65، فيما حقق العدالة والتنمية عودة قوية بحصوله على 54 مقعداً، مقابل 29 للحركة الشعبية، و26 للاتحاد الاشتراكي، و19 للتقدم والاشتراكية.
ومن اللافت أن حزب التقدم والاشتراكية، الذي لم يحصل على العدد الكافي لتشكيل فريق برلماني بمفرده، يجد نفسه اليوم أمام موقع سياسي مختلف، بعدما أصبح أحد المكونات 7الأربعة التي يمكن أن تمنح الأغلبية المقبلة عتبتها العددية. وهو ما يرفع من قيمة حضوره في المفاوضات الحكومية، رغم محدودية رصيده الانتخابي مقارنة بالقوى الكبرى.
كما أن استبعاد التجمع الوطني للأحرار من هذه الصيغة، إذا ما تأكد نهائياً، سيكون أحد أبرز التحولات السياسية التي أفرزتها انتخابات 2026، بعدما كان الحزب جزءاً أساسياً من الأغلبية الحكومية السابقة. ويعكس ذلك، في جانب منه، رغبة حزب الأصالة والمعاصرة في بناء أغلبية مختلفة، تقوم على مكونات ذات خلفيات سياسية متباينة، لكنها تلتقي في المرحلة الراهنة حول صيغة حكومية واحدة.
لكن قوة هذه الأغلبية ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تحويل التقاطع الانتخابي إلى انسجام حكومي وبرلماني. فالفارق بين 207 و198 مقعداً ليس كبيراً بما يكفي لجعل الحكومة في وضع مريح أمام كل الاختبارات، خصوصاً أن الأغلبية ليست كتلة سياسية متجانسة، وأن الخلافات بين مكوناتها يمكن أن تظهر عند مناقشة القوانين والميزانية والسياسات العمومية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الصيغة المرتقبة: فهي أغلبية قوية من حيث الرمز السياسي، باعتبارها تجمع البام بمكونات الكتلة الديمقراطية، لكنها هشة نسبياً من حيث الحساب البرلماني، ومفتوحة على احتمالات التوتر بسبب اختلاف المرجعيات والحسابات والمواقع داخل المشهد السياسي.
وبالتالي، فإن نجاح هذه التجربة لن يتوقف فقط على تجاوز عتبة 198 مقعداً، وإنما على قدرة مكوناتها على بناء تعاقد سياسي واضح وبرنامج حكومي موحد، وتجاوز الخلافات التي طبعت علاقة بعضها ببعض خلال السنوات الماضية.
فإذا نجحت هذه الأحزاب في تحويل رمزية "البام + الكتلة" إلى تحالف سياسي فعلي، فقد تشكل الحكومة المقبلة نموذجاً جديداً في المشهد الحزبي المغربي. أما إذا بقي التحالف مجرد جمع حسابي للمقاعد، فإن خطر الانفصام سيظل قائماً في أي لحظة، خصوصاً أمام أول اختبار سياسي أو تشريعي كبير.






