رأي

بوجمعة العوفي: خساراتنا المتكررة

شاعر وناقد وفني

ولو أن الخسارة والربح هُمَا قيمتان أو نتيجتان متلازمتان دائما، سواء في مجالات التجارة والسياسة والرياضة، أو في كل الأفعال والرهانات التي يقوم بها الإنسان من أجل مكسب أو مكاسب معينة في الحياة، إلا أن الرهان على المكسب وربح القضايا التي يضعها الإنسان نُصب عينيه، يقتضي منه أن يتمتع، في الغالب، ببعض الذكاء، بل الكثير منه إن صح التعبير، والتخطيط وبَذْلَ الكثير من الجهد كذلك من أجل تحقيق الهدف، مع العلم بأن هناك خسارات يمكن أن تكون مبررة، ويمكن القبول بها عن طيب خاطر، كنتيجة منطقية، لطبيعة مجال الفعل واللعب والرهان (الرياضة على سبيل المثال )، لكن النتائج يمكن دائما تغييرها، كما يكون من الممكن دائما أيضا تفادي الكثير من الخسارات، بل تحويلها إلى ربح ومكاسب مُبهرة.

من هنا، ينتصب أمامنا دائما هذا السؤال الجارح: لماذا يخسر المغرب كل مرة، وبشكل متواتر ومجاني أحيانا، العديد من الرهانات والاستحقاقات في الداخل والخارج على حد سواء، ويتقهقر بل يفقد كذلك مكانته التي يستحقها والكثير من المواقع وأشكال الحضور في العديد من المحافل والتظاهرات والمنظمات والهيئات الإقليمية والعربية والدولية؟    

طبعا، قد يبدو هذا السؤال، بالنسبة للبعض، فيه الكثير من الإجحاف والمبالغة وحتى المزايدة في حق المغرب كبلد يجر وراءه تاريخا حافلا أيضا بالكثير من الأمجاد والانتصارات، تاريخ يتجاوز اثني عشر (12) قرنا من التواجد في الزمن وفي الجغرافيا؟ لكن مبررات هذا السؤال تأتي كذلك من قوة هذا التواجد، ومن العديد من الانكسارات التي عرفها المغرب عبر تاريخه الحديث والمعاصر، في الداخل والخارج، أو أن المغاربة راهنا، على الأصح، استبدَّ بهم اليأس والإحباط وملُّوا من الهزائم وأصبحوا مشتاقين، بل في أمس الحاجة، إلى انتصارات حقيقية على الفقر والجهل والظلم والفساد في الداخل، وإلى مواقع ومكاسب متقدمة يستحقونها في الخارج كذلك، بالنظر إلى مؤهلاتهم الجغرافية والبشرية والثقافية والعلمية وغيرها، وانخراط أجياله الجديدة، تحديدا، في إنجازات المشروع الحضاري والثقافي الكوني، إن توفرتْ لهم سبُل الدعم وبعض الإمكانات والظروف المناسبة ؟

وحتى نَفهم جيدا ضرورة وحُرقة هذا السؤال وتداعياته على الزمن المغربي بكل مَشاهده ومكوناته، لا بد من استحضار بعض الأمثلة، على الأقل عن خسارات المغرب الكبرى، كي نكون على بَيِّنة من أمرنا كمغاربة، ونعمل مستقبلا على إيجاد جواب مقنع وموضوعي لهذا السؤال، ثم تفادي تكرار هاته الهزائم والخيبات والانكسارات: 

في الداخل لم نربح بَعْدُ رهان التنزيل السليم والفعال لمقتضيات وبنود الدستور الجديد للمملكة، والتأسيس لتحول أو لنموذج ديمقراطي حقيقي وفعّال (قبل ما سُمّي بـ "الحراك السياسي" العربي وبعده)، تَحَوّلٌ يُفضي إلى فرز نُخب سياسية حقيقية، وحكومات حقيقية، وسياسات حقيقية تضمن للمواطن المغربي العدالة الاجتماعية والاقتصادية والحق في العيش الكريم والمساواة في الواجبات وفي الحقوق ... وأمام هذا الوضع القاسي الذي لا يستحقه المغاربة، ما زالت الكثير من مظاهر الفساد قائمة، بل تفاقمت أكثر في ظل أغلب الحكومات والأحزاب التي وعدتْ بالإصلاح وبَشّرتْ به في "برامجها" وحملاتها الدعائية في كل انتخابات، ومازالت "دارُ لُقمان على حالها"، والأزمة في أوجها، والحال كما كان .. سوى أن جَرِت دماء النعمة في عروق الكثير من الوجوه، والواصلين الجُدد إلى مقاعد الوزارة والبرلمان والمسئوليات، وتضخمتْ أجور الكبار من القوم وإخوتِهم في الرضاعة من الوزراء والمُدراء، كما تضاعفتْ تعويضاتهم ومعاشاتهم وأرصدتهم في البنوك، بينما تعددت وتكاثرت، بل تناسلتْ بشكل مهول مظاهر الفقر والحاجَة وأشكال الضرائب والرسوم المقتطعة من الأجور الهزيلة مقابل الرغيف المُر والقليل من الخدمات.

في الخارج ارتفعتْ بشكل مهول نسبة المديونية، وخسرنا أو ما زلنا نخسر بسبب ارتباك وقُصور اشتغال وطبيعة آلة دبلوماسية مغربية صامتة، وتكاد تكون "معطلة"، العديد من المواقف والمواقع التي تخص قضيتنا الوطنية الأولى (الصحراء المغربية)، أو أخرناها لسنوات طويلة على الأقل، بما ضيع على المغرب ملفات ومصالح جد ثمينة وحيوية وما زال يكلفه الكثير من الأموال والنفقات والميزانيات الباهظة، مع ما يصاحب ذلك من تنازلات مكلفة أحيانا هنا وهناك، والقبول مرغمين بصفقات في التجارة والصناعة والخدمات، تقوي اقتصاد دول أخرى وتنعشه، فيما تنهك اقتصادنا الوطني بشكل ملحوظ، وهذا هو الأهم كذلك، الترويج لصورته وتسويقها كما ينبغي في المحافل والأروقة السياسية والدبلوماسية الدولية، في مواجهة اللوبيات والنزعات والتيارات الانفصالية والمعادية لمصالح المغرب هنا وهناك .. 

 وعوض انتظار الجواب من الخارج، يكون الأمر كما السؤال ــ هنا ــ في حاجة إلى توضيح وإلى جواب مقْنِع من طرف وزرائنا وأحزابنا السياسية في الدولة المغربية عن سبب هاته الخسارات. ذلك فقط من أجل فهم تعامل المملكة المغربية مع غياب الاعتبار الواضح لمكانتها لدى بعض الدول التي كنا نعتقد، إلى الأمس القريب فقط، بأنها صديقة للمغرب وتجمعنا بها علاقات قوية ومصالح حيوية ومشتركة (إسبانيا وفرنسا) على سبيل المثال لا الحصر.