رأي

يوسف غريب: لماذا يحاكم سعد الدين العثماني اليوم...!؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل السياسي ليس هو الاختلاف وإنما أن يتحول الاختلاف إلى وسيلة لإعادة كتابة الماضي وأن يصبح القرار الذي كان بالأمس موقفاً وطنياً مشتركاً يصبح اليوم خطيئة يُبحث لها عن كبش فداء.

وهنا تحديداً تبرز قضية رئيس الحكومة السابق الدكتور سعد الدين العثماني لا باعتبارها مجرد خلاف داخل بيت حزبي وإنما باعتبارها امتحاناً حقيقياً لمعنى المسؤولية السياسية والأخلاقية.

عندما جرى توقيع اتفاقية فتح مكتب اتصال لتسهيل تنقلات اليهود المغاربة نحو بلدهم لم يكن سعد الدين العثماني يتحرك في فراغ سياسي ولم يكن يوقع قراراً شخصياً معزولاً عن مؤسسات الدولة وسياقها الوطني.

كان رئيساً للحكومة وكان القرار مرتبطاً بحسابات ومصالح استراتيجية عليا للمملكة وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.

والأهم من ذلك أن السيد عبد الإله بنكيران بصفته أميناً عاماً سابقاً ومرجعية سياسية داخل الحزب لم يكن يومها في موقع المتفرج الصامت أو المعارض المتحفّظ فقد دافع عن الخطوة وقدمها باعتبارها التزاماً وطنياً ومؤسساتياً ودعا إلى التعاطي معها بما يليق بحجم القرار وحساسيته.

فكيف يستقيم بعد ذلك أن يتحول العثماني وحده إلى عنوان للمسؤولية وحده وأن يصبح التوقيع الذي جرى في سياق مؤسساتي ووطني ذريعة لمحاسبته سياسياً وأخلاقياً.. ؟

هل تتغير الحقيقة بتغير المواقع

إذا كان الموقف بالأمس صحيحاً لأنه خدم مصلحة الوطن فلا يمكن أن يصبح اليوم خطأً لمجرد أن صاحبه غادر موقع المسؤولية.

وإذا كان القرار جماعياً ومؤسساتياً فإن تحميله لشخص واحد ليس شجاعة سياسية بل هروب من المسؤولية المشتركة.

السياسة لا ينبغي أن تكون دفتر شيكات يمزق السياسي صفحاته القديمة كلما تغيرت موازين اللحظة.

فالعثماني ليس وافداً على المشهد بهذه الطريقة يتجاهل حقيقة أخرى لا تقل أهمية: الرجل ليس طارئاً على الحياة السياسية ولا شخصية صعدت مع موجة ظرفية ثم انتهت صلاحيتها بانتهاء منصب.

العثماني من الأسماء المؤسسة في التجربة السياسية التي انتمى إليها ومن جيل القيادات الأولى التي أسهمت في بناء الحزب إلى جانب الراحل عبد الله باها وغيره من الأسماء التي صنعت ملامح تجربته الأولى.

بل إن مساره في العمل السياسي والوطني سابق على صعود أسماء أصبحت لاحقاً أكثر حضوراً في المشهد كحالة السيد بنكيران الذي ينهش لحمه أمام الجميع

ولهذا فإن محاولة اختزال مسيرته كلها في توقيع واحد وتحويل سنوات من العمل السياسي والمؤسساتي إلى خطيئة شخصية ليست فقط مجحفة في حق الرجل وإنما تنطوي على تبسيط مخلّ لتاريخ رجل سياسي وطني

متخلّق.. نزيه.. ونبيل نبل الأبناء البررة لسوس وأهلها وشيوخها الذين إذا مروا على اللغو مروا كراما

لذلك اعتبر هذا التشهير بالسيد العثماني زيادة على كل ماقيل هو قرار توجيهي علني لوأد اي حضور مستقبلي له داخل الحزب خاصة بعد ظهوره البارز واللافت بمدبنة تزنيت وسيدي إفني

وإلا ألم يكن ما المانع أن يفتح معه الحوار المباشر، بعيداً عن المنابر والميكروفونات وحسابات الجمهور...

ثم هناك ما هو أخطر من كل هذا اللغو الزائد عن حدّه هو هذا الإقحام للقضايا الاستراتيجية الكبرى للوطن كمادة للمناكفة بين الأحزاب

ولهذا فإن المسؤولية هنا لا تقع على طرف دون آخر.

فكل سياسي يحاول توظيف اسم العثماني أو أي شخصية أخرى، لتحويل قضية وطنية إلى سلاح في مواجهة خصم سياسي إنما يسيء إلى القضية قبل أن يسيء إلى خصمه.

وفي هذا السياق فإن محاولة عبد اللطيف وهبي توظيف اسم العثماني في السجال الحزبي لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد مناورة سياسية عادية..

فتسجيل النقاط الحزبية يصبح أقل أهمية بكثير من الحفاظ على هيبة القضايا التي تتجاوز عمر الحكومات والأحزاب والأشخاص.

أما السيد رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني بصرف النظر عن تقييم تجربته السياسية أو الاختلاف معها سيظل واحداً من الأسماء التي اختارت في لحظة مفصلية أن تتحمل باسمنا جميعا مسؤولية في قرار اعتبرته الدولة ومؤسساتها مرتبطاً بالمصلحة الوطنية العليا.

إن الزعامة الحقيقية هي أن تتحمل موقفك عندما يكون ثمنه غالياً وأن تبقى وفياً للحقيقة حتى عندما لا تعود الحقيقة تخدم موقعك.

أما من يبيع رفيق الأمس بثمن سياسي بخس فلن يخسر رفيقاً فحسب بل يخسر شيئاً أكبر بكثير : رصيده الأخلاقي أمام الله والوطن والتاريخ...