صحة وعلوم

التحول الاستراتيجي في قطاع الصحة المغربي وآثاره المنتظرة على المواطن والتنمية البشرية

إدريس الفينة (إدريس الفينة)

يشهد قطاع الصحة في المغرب تحولًا استراتيجيًا عميقًا يتجاوز منطق الإصلاحات الجزئية نحو إعادة بناء المنظومة الصحية في إطار مشروع الدولة الاجتماعية. فالمغرب لم يعد يتعامل مع الصحة كقطاع خدماتي فقط، بل كرافعة مركزية لحماية الرأسمال البشري وتقوية التماسك الاجتماعي ودعم التنمية البشرية. ويظهر هذا التحول من خلال تعميم التأمين الإجباري عن المرض، وإعادة هيكلة الحكامة الصحية، وتقوية البنيات التحتية، والرفع من حجم التمويل العمومي، إلى جانب التوجه نحو الجهوية والرقمنة والسيادة الصحية.


أبرز إنجاز استراتيجي تحقق يتمثل في التوسع الكبير في التغطية الصحية، حيث بلغت نسبة التغطية بالتأمين الإجباري عن المرض حوالي 88%، مع إدماج ما يفوق 11 مليون مواطن من الفئات الهشة ضمن نظام الدعم المباشر، وهو ما يمثل انتقالًا من منطق المساعدة الاجتماعية المحدودة إلى منطق الحق الفعلي في العلاج. وبموازاة ذلك، ارتفعت الميزانية المخصصة لقطاع الصحة لتناهز 42.3 مليار درهم، بما يعكس إرادة الدولة في جعل الإصلاح الصحي ورشًا وطنيًا طويل المدى، لا مجرد استجابة ظرفية لضغط اجتماعي أو صحي.


كما أن هذا التحول لا يقتصر على التمويل، بل يشمل إعادة تنظيم المنظومة الصحية نفسها، من خلال تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية، وإحداث مؤسسات جديدة للحكامة والتقنين، والتوجه نحو المجموعات الصحية الترابية بما يسمح بتدبير جهوي أكثر نجاعة وإنصافًا. ويمثل هذا التوجه تحولًا نوعيًا، لأن الاختلال التاريخي في المنظومة الصحية المغربية لم يكن مرتبطًا فقط بضعف الموارد، بل أيضًا بضعف التنسيق والنجاعة وتفاوت الولوج بين الجهات.


ومع ذلك، فإن نجاح هذا الورش يظل مرتبطًا بحسم تحديات كبرى، في مقدمتها الخصاص في الموارد البشرية الصحية، واستمرار التفاوتات المجالية، وارتفاع ما تتحمله الأسر من نفقات مباشرة للعلاج، رغم توسيع التغطية. لذلك فإن الرهان الحقيقي لم يعد فقط في إصدار القوانين أو رفع الاعتمادات، بل في تحويل هذه الإصلاحات إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية، من حيث سرعة الولوج للعلاج، وجودة الخدمات، وقرب المؤسسات الصحية، وتراجع الكلفة المالية للمرض.


إن الأثر المنتظر لهذا التحول على المواطن المغربي كبير، لأنه يعني تعزيز الحماية الاجتماعية، وتقليص مخاطر الفقر المرتبط بالمرض، وتحسين شروط العيش والكرامة الصحية. أما على مستوى التنمية البشرية، فإن إصلاح الصحة يشكل استثمارًا مباشرًا في الإنسان، بما ينعكس على الإنتاجية، والتمدرس، والاندماج الاقتصادي والاجتماعي. وعليه، فإن التحول الاستراتيجي في قطاع الصحة المغربي يمثل اليوم أحد أهم الأوراش الوطنية، ونجاحه سيحدد إلى حد بعيد قدرة المغرب على بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وكفاءة وإنصافًا.