مجتمع وحوداث

معايير تقييم جودة الأحكام القضائية

عزيز بنزيان
إن الأحكام القضائية تدمج بين الحقيقة القانونية والاعتقاد الصميم للقاضي وفق الاختصاصات والتي تعمل على تجسيد الحقيقة الواقعية، ويمكن تسميتها بعنوان الحقيقة التي يسعى الأطراف إلى تنفيذها وكذا مؤسسات انفاذ القانون، فالقاضي من خلال تكوينه العلمي والجامعي وكذا المهني يصبو نحو تحقيق التكامل بينهما واعداد حكم قضائي رصين يحترم مجموعة من المعطيات والضوابط.

فالحكم عبارة عن منتج لأشغال السادة القضاة يعبر عن قناعات مهنية وقانونية وضمير مهني واجتهاد لأجل رسم معالم الحقيقة المتنازع حولها، فهو يفصل بين الخصوم محاولا بذلك صناعة مقرر يُنظر إليه بالنتيجة النهائية للخصومة في مختلف المواد "جنائية مدنية اسرية عقارية..."، لكن تقييم جودة الأحكام يظل أمر غير مكشوف للسادة القضاة، فلا يمكنه أن يرصد درجة رضا الأطراف من عدمه على الأحكام والقرارات القضائية، ولا يسعه الوقت كذلك لمراقبة الطعون في أحكامه ومدى تأييدها أو الغاؤها والعلل القانونية والواقعية التي رصدها قضاة الدرجة الثانية "المستشارين" ومحكمة النقض.

بيد أن تقييم جودة الأحكام أمر ليس بالسهل ففي دراستنا هذه سنحاول بسط معالم تقييم جودة الأحكام القضائية ووضع مقاربة واقعية لتقريب السادة المهنيين وكذا الباحثين من رؤيتنا الأكاديمية حول هذا المحور من الدراسة، معتمدين في ذلك على تقنيات علمية ومقاربة دراسات ساهمت في تحديد هذه الكيفية، فكلما صعُب شيء إلا وكان أهونُ على دارس ومفكر.

• فمن خلال المعطيات أعلاه يمكننا أن نتساءل عن كيفية تقييم جودة الأحكام القضائية، وماهي الخطوات المعتمدة وفق الدراسات الدولية لتقديم تقرير سنوي حول جودة الأحكام والقرارات القضائية؟

للإجابة على التساؤل أعلاه وفق المنهجية الأكاديمية سنحاول تقسيم الدراسة إلى محورين:

• المحور الأول: المعيار القانوني بين ماهو موضوعي واجرائي لتقيم جودة الحكم القضائي

• المحور الثاني: معيار الاجتهاد والكفاءة وأثر الحكم على الواقع لتقييم جودة الحكم القضائي

المحور الأول: المعيار القانوني بين ماهو اجرائي وموضوعي لتقيم جودة الحكم القضائي

لأجل السير قدما في دراستنا هذه كان لزاما علينا تبسيط المحاور لتجاوز الأمور التقنية والتكنولوجية التي تساهم في تقييم الأحكام القضائية، بل على العكس من ذلك فهناك معايير يجب مراعاتها ولا يمكن تجاوزها في تقييم الحكم من عدة زوايا لضمان حسن النتيجة النهائية.

فالسادة القضاة يشتغلون وفقا لمعايير قانونية موضوعية واجرائية عند دراستهم للملفات المدرجة في الجلسات المكلفون بها، حيث إنهم يقومون بعملية ذهنية كبيرة لأجل تشخيص النازلة المعروضة أمامهم أولا ويسهرون على تنظيم الوثائق وكذا الإجراءات قبل النظر في المضمون أو جوهر النزاع.

أولا: المعيار الإجرائي

لأجل تقييم الحكم القضائي لابد من وضع معيار لأجل تحليل الكيفية التي احترم بها السادة القضاة لمختلف الإجراءات اللازمة للبت في الملفات المعروضة عليهم، فابتداء من احترام حقوق الدفاع إذ كما هو معلوم على أن السادة المحامون هم المؤهلون قانونا للدفاع عن الأطراف في مختلف النزاعات وفقاً للقانون المنظم لمهنة المحاماة 28.08، فلضمان حق المتقاضي في الدفاع بواسطة محامي يخول له السيد القاضي مكنة التنصيب والتماس المهل المعقولة والدفوع الشكلية وحق المرافعة الشفوية ووضع المذكرات الكتابية وكذا التعقيبية والردود، وضمان حق الاطلاع على مرفقات الملف وتصويره وضم وثائق منتجة في نظر الدفاع.

فالسادة القضاة في إطار تدبيرهم للملفات المدرجة في الجلسة المكلفون بها يعملون على ضمان تراتبية الاحداث والإجراءات وفقا لطبيعة النزاع "مدني، تجاري، عقاري، أسري، زجري..."، وكل هذا يأتي تفعيلا للشرعية الإجرائية وسلامة المسطرة، فعندما يرفع شخص دعوى مدنية أو عقارية بواسطة نائبه مثلا ولا يؤيد دعواه بما يثبت الصفة في التقاضي -بعد التأكد من الأهلية والمصلحة- ويدفع الطرف المقابل بانعدام الصفة آنذاك ينذره القاضي بإصلاح المسطرة ويمهل لذلك لمدة معقولة، ويمكن للمحكمة كذلك انذار الأطراف تلقائيا للإدلاء بمؤيدات الدعوى قبل الخوض في تلقي المذكرات الجوابية والتعقيبية وكذا الردود، كل هذا يمكننا اعتباره فن تدبير النزاع الذي يحترفه السادة القضاة وحرص السادة المحامون على ضمان حسن سير العدالة من خلال دفاعهم على الأطراف.

فالمعيار الاجرائي مهم جدا لأجل تقييم جودة الأحكام القضائية، إذ لا يمكن النظر في الموضوع قبل الاجراء، فهناك على سبيل المثال إجراءات إذا لم يتم احترامها يمكن اعتبار الحكم باطلا وهنا تدخلت نظرية البطلان القانوني والقضائي على الخط وفصلت في مختلف الصور المفترضة التي يمكن اعتبار أن الحكم باطلا بحكم القانون أو بالطريقة القضائية حسب النصوص الواردة في المسطرة المدنية على سبيل المثال.

إن هذا المعيار ليس بالأمر الميسر الحديث عنه إذ يحتاج دراسات في كل محور ومادة معينة، وهذا ما جاد به السادة الباحثين والمهنيين في الدراسات والبحوث المنشورة، لكن في دراستنا هذه نحاول رصد لأهمية المعيار الاجرائي في تقييم الحكم القضائي، فنلاحظ مثلا جانب الاستقلال والحياد إذ أن القضاة ملزمون بهذه المبادئ وغيرها وفقا لمدونة الأخلاقيات القضائية، فبذلك يكون السيد القاضي مستقلا في تسيير ملفه ومحايدا في مراقبة اجراءاته ونتيجة ذلك حكم قضائي رصين ومحكم من الناحية الإجرائية.

ثانيا: المعيار الموضوعي

بعدما حاولنا بالشكل المقتضب التطرق إلى الشق الاجرائي في الدراسة فعندها نكون قد مهدنا للوصول إلى ماهو موضوعي، أو بالعبارة الأدق فالقضاة عندما يجهز الملف الرائج أمامهم يأتي دور البت في جوهر الدعوى إذ أن هذه المهمة تتطلب عملية ذهنية معقدة، بحيث بعد دراسة الملفات يحاولون تنزيل الشق القانوني الموضوعي واسناد القاعدة القانونية على النازلة المعروضة عليه.

ومثال ذلك في القضايا العقارية إذا كان الشكل سليما وثبت للسيد القاضي وجود عقار على الشيع ورفض الورثة قسمته رضائيا أمكن للمحكمة بعد سلك مسطرة الخبرة العقارية وبناء على التقرير ومستنتجات الدفاع اللجوء على قسمته بتيا أو عن طريق البيع في المزاد العلني حسب الثمن الافتتاحي الذي حدده السيد الخبير، وكل هذا يأتي في إطار تنزيل القواعد القانونية الموضوعية.

ومثال آخر ينطبق على القضايا الزجرية التي تكون فيها النيابة العامة في المدعية أصليا فيأتي الدور على السيد القاضي لتكييف النازلة واسناد القاعدة القانونية المطبقة عليها، فإذا كانت المتابعة بالنصب حسب الفصل 540 من القانون الجنائي فدراسة الوقائع المدرجة في محاضر الضابطة القضائية -بعد مراقبة الشكل والجواب على الدفوع الشكلية- يؤسس لثبوت التهمة من عدمها ولقيام الإدانة أو البراءة منها.

فالشق الموضوعي مهم لأجل تقييم الأحكام القضائية ومفاد ذلك هو مراقبة مدى التنزيل السليم للسادة القضاة للنصوص القانونية على الجوهر كيفما كان النزاع وفي مختف المواد، فالتنزيل السليم للقاعدة الموضوعية يزكي الحكم القضائي وينزله منزلة رفيعة لأجل تقييمه وضمان جودته.

المحور الثاني: معيار الاجتهاد والكفاءة وأثر الحكم على الواقع لتقييم جودة الحكم القضائي

عند تدرجنا في الحديث عن مختلف المعايير التي تساهم في تقييم الاحكام القضائية لابد من التطرق إلى محور اجتهاد السادة القضاة والكفاءة التي يتميزون بها عند بتهم في مختلف النزاعات المعروضة أمامهم، وكل هذا له وقع على الحكم وجودته من الناحية الواقعية.

فالسادة القضاة يسهرون على البحث والتمحيص في مختلف النصوص القانونية والدراسات والقرارات القضائية وتوجهات محكمة النقض، وكذا المستجدات التشريعية التي تحل بين الفينة والأخرى وتكون سارية النفاذ، ويسهر كذلك السادة المسؤولون القضائيون بناء على توجيهات المجلس الأعلى للسلطة القضائية على ضمان التكوين المستمر للقاضي في مسيرته المهنية والاجابة على الإشكالات الإجرائية والموضوعية التي تتزامن مع الحركة التشريعية المستجدة.

أولا: معيار الاجتهاد 

إن من بين المبادئ التي نصت عليها مدونة الأخلاقيات القضائية نلاحظ سطوع مظهر العلم والتعلم الذي يواكب القاضي قبل ولوجه لسلك القضاء وبعده، فلا يكتفي السادة القضاة بما لهم من معارف قبل النجاح في مباراة الملحقين القضائيين، بل يستمر ذلك من خلال المجهود الذي يبذله كل قاضي على حدة بشكل شخصي في الدراسة والتحليل والتمحيص للكتب القانونية وكذا المقالات العلمية والدراسات الاكاديمية والمهنية، وكذا التوجيهات العلمية من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وحتى التكوين المستمر الذي يتلقاه في كنف المحكمة تحت اشراف المسؤول القضائي أو عند تنظيم دورة تكوينية حضورية أو عن بعد من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

إذ أننا لا يمكننا أن نتحدث عن جودة الحكم القضائي بكون تكوين رصين للسادة القضاة، فهذا المحور في دراستنا مهم جدا وله وقع كبير على تقييم الأحكام، حيث إن القاضي المجتهد يسند القاعدة القانونية ويحترم الإجراءات بشكل محكم لضمان سلامة الوقائع والحيثيات وتناسقها لأجل كتابة منطوق للحكم بالشكل المطلوب والمتوخى قضائيا، ونتيجة ذلك تحقق الأمن القضائي في ظل دولة الحق والقانون وغايته رفع منسوب ثقة المتقاضي في المؤسسة القضائية.

وكذلك يأتي الدور للحديث على ترشيد زمن البت في النزاعات، إذ كما هو معلوم على أنه اليوم أضحى القاضي مقيد بزمن محدد للبت في القضايا على اختلافها وفق مبيان محدد لذلك، وعليه فالقاضي مراعاة منه لمبدأ البت في أجل معقول يجب عليه ترشيد التعامل مع الملفات بالطريقة التي يضمن فيها حقوق الدفاع وأطراف النزاع للوصول إلى الحق المبتغى من ذلك وتنفيذه على الطريقة التي يتطلبها الواقع والقانون.

فكل هذه الخطوات ترشدنا إلى تقييم الحكم القضائي وتبيان منسوبه من حيث الجودة، وتساهم في الرفع منها ليتحقق بذلك الأمن القضائي وثقة المتقاضين في القضاء، فالقاضي المجتهد ينزل النصوص القانونية بالشكل السليم سواء من حيث الشكل أو المضمون، ويتم توحيد الاجتهاد القضائي باستحضار توجهات محكمة النقض أي القرارات المبدئية -القرارات الصادرة بغرفتين وأكثر- التي أسستها محكمة النقض بناء على الخبرة والكفاءة التي ينظُر بها السادة المستشارون إلى الملفات المعروضة أمامهم.

ثانيا: معيار الكفاءة 

إن باختيارنا لهذا المعيار يأتي على أساس كفاءة السادة القضاة في تدبيرهم للملفات، ويتجلى ذلك بعد صدور الحكم القضائي، فعند تشخيص هذا الأخير ينظر إلى سلامة اللغة القانونية المعتمدة والتنسيق بين معطيات الحكم وسرد الوقائع وفق ما وردت في المقالات والمذكرات وكذا المحاضر والمستندات، ثم الحيثيات التي تظهر أسلوب السيد القاضي في تحليل النازلة وفق القانون وتوجهات محكمة النقض، فانسجام الحيثيات وترتيلها يجعل من منطوق المقرر ذو جودة ورصانة من تمهيدا لما قبل التنفيذ، وكذا تجنبا للإلغاء والنقض بل يتم تأييده كلما كان منسوب جودته مرتفعا.

فالقاضي عندما يبت في النزاع يستحضر أهم عنصر وهو التنفيذ، ومنه يحاول بما له من كفاءة اصدار حكم قضائي قابل للتنفيذ، ولا يجب صعوبة قانونية في ذلك، وكل هذا يأتي بالتكوين الرصين والاجتهاد والكفاءة العلمية والمهنية التي يتميز بها السادة القضاة.

فالغاية من لجوء المتقاضين وعرض نزاعاتهم على المحكمة يتجلى في مكنة تنزيل الحكم الذي عبرنا عليه في مقدمة دراستنا ب "عنوان للحقيقة"، فإذا كان كذلك فيسلك المتقاضي بعدها مسطرة تنفيذ الأحكام بعد تبليغها وعندما تكون مكتسبة لقوة الشيء المقضي به، وهنا تظهر أهمية الكفاءة في دراستنا لتقييم جودة الأحكام القضائية.

خاتمة:

إن دراسة الكيفية المعتمدة لتقييم جودة الأحكام القضائية تتطلب تفصيلا دقيقا كما سبق لنا، بدءا من المعيار القانوني سواء كان اجرائيا أو موضوعيا، فكلما كان الحكم سليما من الناحية الإجرائية والموضوعية يرتفع منسوب جودته، وكذلك معيار اجتهاد السادة القضاة وكفاءتهم يأتي بمجهودات مبذولة شخصية ومؤسساتية تصبو نحو تجويد أعمال السادة القضاة في اصدارهم للأحكام بالشكل المرجو.

فعند كتابتنا لهذه الأسطر استحضرنا الطريقة الأمثل لتنزيل هذه المعطيات على أرض الواقع، فيمكن ذلك من خلال انشاء وتطوير برنامج على المستوى الوطني يضُم مختلف القوانين والتشريعات، والقرارات القضائية لمحكمة النقض -القرارات المبدئية-، وكذا معيار زمن البت في الملفات، ومراقبة الأحكام الملغات أو التي تم نقضها وارجاعها، وكذا الملفات المنفذة والتي وجدت صعوبة في التنفيذ، ومراقبة ذلك بشكل دقيق وفق خوارزميات وبرمجيات تنشئ بيانات واقعية ونسب مئوية لجودة الأحكام والمقررات القضائية، والاستفادة من الخبرات الأجنبية التي سبق وأن طورت أنظمة معلوماتية لتقييم جودة الأحكام القضائية.