فن وإعلام

الكتابة في اللامكان

عبد السلام بنعبد العالي (عن مجلة 'المجلة')

مثلما أن الهاتف النقال يضعنا داخل جغرافيا مغايرة، يفقد فيها مفهوما البعد والقرب معنييهما المعروفين، ويفقد فيها مفهوم "الموقع" دلالاته المعهودة، وربما حتى مفهوم المكان ذاته، فإن شبكة الإنترنت تبدع "مكانا" مغايرا فيه نودع "أشياءنا" جميعها: أسرارنا ومعارفنا، أخبارنا وصورنا، إبداعنا وذكرياتنا.

وربما من أجل ذلك، يتعذر علينا، إذا ما طرح علينا أحدهم السؤال كي ندله بالضبط على "المكان" الذي اطلعنا فيه على فكرة، أو المصدر الذي استقينا منه معلومة، أو المنبر الذي نشرنا فيه آخر مقال، أن نعين له في أي مكان بالضبط. فغالبا ما نكتفي بالجواب الواضح الغامض قائلين: "في الشبكة"، شاعرين كأننا نجيب: "في لامكان". ولعلها الإجابة نفسها التي تخطر ببالنا عندما يسألنا من نكلمه عبر الهاتف النقال كي ندله على المكان الذي منه نتكلم.

لا شك أن هذا الإحساس لا يصدق فحسب على كل من "يسبح" في الشبكة ليتسقط الأخبار ويتابع ما يقال وما ينشر، وإنما حتى على من يشتغل بالكتابة والنشر. فالكاتب اليوم لا يستطيع أن يحيلك إلى "مكان" بعينه تطلع فيه على ما نشره. معظم الكتاب تنتابهم الدهشة ويأخذهم الذهول عندما يقفون اليوم على سرعة التنقل و"القفز" اللذين يلحقان ما ينشرونه. ما يطبع الكتابة المعاصرة هو أن المطلع عليها غير قادر على ضبط مصدرها "الأصلي" و"مكان ميلادها"، مثلما أن صاحبها عاجز عن التحكم في تنقلها، وحصر الحوامل التي تظهر عليها، وربما حتى الوظائف التي تؤديها، والمتلقي الذي تتوجه إليه. فما إن يظهر المقال على صفحة مجلة أو عمود جريدة أو حيز منصة حتى يأخذ في القفز بين المواقع و"السباحة" في الشبكة. لا عجب أن يعتري القارئ نوع من الدوخة، وأن يفاجأ الكاتب بأن ما كتبه منشور في أكثر من مكان وبأكثر من صيغة، بل إنه قد يجد نفسه متنقلا من موقع إلى آخر، وفي منصات لم يكن له عهد بها، وبين أسماء لم يكن يخطر بباله أنه سيكتب إلى جنبها.

مجمل القول إذن إن القراء اليوم تائهون بين مرجعيات غير قارة، مثلما أن الكتاب لم يعد باستطاعتهم أن يدعوا أنهم يختارون المنابر التي ينشرون فيها، إذ بمجرد أن يظهر مقالهم في أحدها حتى تصطاده "الشبكة" كي يدخل في مسلسل الاستنساخ اللامتناهي، ويتيه في "لامكان".

ليس بوسعنا أن ندرك مدى التحول العميق الذي هز "جغرافيا" القراءة والكتابة ما لم نتذكر العلاقة التي ترسخت لدينا مع "المراجع" و"المصادر" التي كنا نعتمدها قراء، والمنابر التي كنا، حتى وقت قريب، نتخذها حوامل لكتاباتنا. فقبل أن يفرض النشر الإلكتروني أخلاقياته المستحدثة، ويسن للمؤلف وللمتلقي قواعده الجديدة، كانت لنا، قراء وكتابا، لا أقول معايير ثابتة، وإنما أعراف متبعة تضبط علاقاتنا بما كتبناه أو قرأناه. فكانت تسمح للقارئ بالإحالة إلى مراجع بعينها، مع ما تفرضه القواعد "الصارمة" للكتابة من تمييز دقيق بين المصادر والمراجع، وذكر لاسم المؤلف ومصدر الاقتباس ومكان النشر وتاريخ الظهور ورقم الصفحة وفق ترتيب لا يقل صرامة.

وبالمثل فإنها كانت تدفع المؤلف إلى أن يميز بين ما يصلح للنشر على صفحات المجلات وما لا يصلح إلا للصحف. وحتى إن كان النشر في الجريدة فإن الساهرين عليها سيميزون بين ما يليق للنشر في الصفحة الأولى وما لا يمكن أن يظهر إلا على الأخيرة، بل إنهم قد يرتئون أن المقال لا يمكن أن ينشر إلا في ملحق أسبوعي. والأهم من ذلك كله هو أن حوامل الكتابة كانت دوما ملونة مسيسة مؤدلجة. فقد كانت تنقسم، مثلنا، أحزابا وشيعا: منها اليميني ومنها اليساري، منها التقليدي ومنها المحدث، منها المتزمت ومنها الطلائعي.

الخلاصة أننا كنا نعرف إلى أين نولي وجوهنا قراء، مثلما كنا، كتابا، نسلم بأن ما نكتبه يحدد ويتحدد بـ"أين" نكتبه، وأن منبر الكتابة كان يعين قيمتها، بله شكلها وأسلوبها ولغتها وحتى مضمونها وانضواءها والوظيفة المتوخاة منها. في هذا الإطار تميزت صحف عن أخرى، ومجلات عن مثيلاتها، وكتاب عن زملائهم. وتجنبا لكل موازنة قد لا تروق، لنكتف بأخذ أمثلة من الإنتاجات الأجنبية، ولتكن الإنتاجات باللغة الفرنسية التي شاءت الظروف أن أتابعها عن كثب.

كنا نلاحظ أن كتاب مجلة "الأزمنة الحديثة"، ومجلة "نقد"، ومجلة "بوييتيك"، ومجلة "تيل كيل"، و"الماغازين ليتيرير"... يختلفون أشد الاختلاف عن كتاب مجلة "إيسبري"، وكتاب "المجلة الفرنسية الجديدة"، وكتاب مجلة "الميتافيزيقا والأخلاق"، بل حتى عن كتاب "النقد الجديد"، و"الإنسان والمجتمع"... وهذا يصدق كذلك على الصحف واليوميات، فمن كان يرتقي إلى أن ينشر مقاله في جريدة "لوموند" ليس كمن يكتفي بنشره في "ليبيراسيون" أو "لومانيتي" أو "الفيغارو".

بل إن دور النشر ذاتها كانت تتوزع جهات غير متكافئة، فكان منها الطلائعي والمتزمت، المنفتح والمنغلق، المحدث والتقليدي. فمن ينشر عند "المنشورات الجامعية الفرنسية" أو "فران" أو "غاليمار" ليس كمن ينشر عند "ماسبيرو" أو "مينوي" أو "المنشورات الاجتماعية". لقد كان اسم دار النشر على الغلاف يكاد يدخل ضمن المحددات الفكرية للكتاب، ويعين توجهه فيحدد قراءه.

حتى وقت قريب إذن كان منبر القراءة معروفا محددا يمكن الإحالة إليه، وإلى مكان نشره وتاريخ ظهوره، مثلما كان اختيار منبر الكتابة جزءا من انضواء الكاتب والناشر معا. ولم تكن منابر القراءة قط عائمة في "اللامكان"، ولا منابر النشر وحوامل الكتابة مسألة عرضية على الإطلاق، وإنما كانت تدخل في وسم الكتابة وتحديد شكلها، بل ربما حتى معانيها ووظائفها.

لم تكن هذه الأعراف بالأمر الجديد على ثقافتنا، فهي لم تكن لتخفى على قدمائنا الذين ذهبوا بعيدا في هذا المجال، ولم يكتفوا بتحديد الكتابة بمنبرها فحسب، وإنما أيضا بالمادة التي تكتب عليها، والحامل الذي يحملها. فالكتابة تختلف قيمة وأهمية حسب ما إذا حفرت على الحجر، أو نقشت على الخشب، أو رسمت على الجلد. ويكفينا أن نشير هنا إلى ما كتبه الجاحظ من أن الكتابة لا تلقى الاستجابة نفسها إذا كانت مرسومة على قطعة جلد أو على دفاتر القطني:

"فليس لدفاتر القطني أثمان في السوق، وإن كان فيها كل حديث طريف، ولطف مليح، وعلم نفيس. ولو عرضت عليهم عدلها في عدد الورق جلودا ثم كان فيها كل شعر بارد وكل حديث غث لكانت أثمن ولكانوا عليها أسرع".

فكأن الكتابة تستمد قيمتها من الجلد الذي حملت عليه. لا عجب في ذلك، فالجلود "أحمل للحك والتغيير، وأبقى على تعاور العارية وعلى تقليب الأيدي، ولرديدها ثمن، ولطرسها مرجوع". ما يفيد أن قدماءنا كانوا على أتم وعي بأن "أرواح" النصوص تستمد من "أجسامها"، وأن للكتابة جسدا تعيش به وعليه.

ما غدا مؤكدا اليوم هو أن "أرواح" الكتابة هذه أصبحت تعرف "تناسخا" لا ينقطع. فباستطاعتها أن تتنقل على الدوام، ليس فقط من هذا الجسد نحو ذاك، من الورقي نحو الإلكتروني، ومن الصحف السيارة نحو المنصات القارة، بل في مقدورها أن تقفز من اليمين إلى اليسار، ومن التقليدي إلى المحدث، ومن المتحجر نحو الطلائعي. هذا إن كان هناك معنى لهذه "الاتجاهات" داخل الشبكة التي يبدو أن لا مكان لها، لامكان يقسم حسب وجهات متباينة.

الشبكة لا يمين لها ولا يسار، فهي لا تتوزع حسب اتجاهات جغرافية أو توجهات عقائدية، ما دام في مقدورها أن "تصطاد" كل شيء، بحيث تشكل خيوطها الحامل النهائي لكل ما يكتب من غير أن يتلون بلون بعينه، ولا أن يتوجه نحو متلق مقصود. فكأن المنابر التقليدية لم تعد اليوم سوى "منافذ" مؤقتة تلج الكتابة عبرها "الشبكة" كي تتمكن من "السباحة الحرة"، والهجرة المتواصلة، والإطلالة على القراء من النوافذ جميعها، أنى كانت، وفي الأمكنة جميعها، كيفما كان وضعها، ومهما تباينت اتجاهاتها.