سياسة واقتصاد

السنة التشريعية 2025/2026 وتحديات التغيير والإصلاح.

المهدي كمال الحجام

في التاريخ السياسي للأمم، هناك سنوات لا تمرّ مرور الكرام، بل تتحول إلى محطات حاسمة تعيد رسم ملامح المراحل المقبلة.

 والسنة التشريعية 2025–2026 في المغرب واحدة من تلك اللحظات الفارقة، إذ تعتبر الأخيرة في ولاية مجلس النواب وتشكل نقطة تقاطع محورية بين الزمن الحكومي والزمن البرلماني، وتتفاعل فيها رهانات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع ضرورة تقييم حصيلة السياسات العمومية المتبعة ، استعدادًا لمرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة القوة داخل المشهد السياسي الوطني، بل قد تؤدي إلى توزيع جديد للسلطة بما يتلائم مع المستجدات الداخلية والخارجية.

إن هذه السنة لا يفترض فيها أن تكون كسابقاتها في التاريخ السياسي المغربي المعاصر،، فكل المؤشرات توحي بأننا أمام لحظة مفصلية ذات امتدادات وتأثيرات واضحة في تشكيل ملامح المستقبل ، سواء على مستوى العمل الحكومي أو في الفعل البرلماني.

إنّها سنة التقييم والمراجعة، سنة سيُختبر فيها صدق الشعارات ومتانة الالتزامات، لأن الزمن السياسي بدأ يضيق، والثقة، التي تعتبر صمام الأمان في العلاقات بين المواطن والمؤسسات، أصبحت عملة نادرة، لا تستعاد الا إلا بالإنجاز الحقيقي والفعل الملموس.

وفي هذا السياق فإن المجلس الوزاري، الذي ترأسه الملك محمد السادس الأحد 19 أكتوبر2025 ، لم يكن مجرد محطة عادية ضمن المسار المؤسسي، بل شكل حدثًا ذا دلالة سياسية عميقة. فقد تضمن هذا الاجتماع توجيهات واضحة تهم مشروع قانون المالية لسنة 2026، بما يعنيه من تحديد أولويات الدولة للمرحلة المقبلة، وبما يحمله من إشارات قوية إلى أن الحكومة مدعوة اليوم إلى الانتقال من منطق الوعود إلى منطق الحصيلة. ففي ظل اقتراب نهاية الولاية، أصبح لزامًا أن يُقدَّم للشعب المغربي تقييم موضوعي لما تحقق فعلاً في ورش الحماية الاجتماعية، والتعليم، والصحة، والاستثمار، وفرص الشغل، وغيرها من المجالات التي كانت جوهر البرنامج الحكومي.

من جهة أخرى، يبدو أن التوجيهات الملكية أرست بوضوح مبدأ التوازن بين الطموح الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي. فالمغرب يريد أن يُعمّق مسار الدولة الاجتماعية دون أن يُخِلّ بتوازنات المالية العمومية، وأن يُوسع دائرة التضامن دون أن يُضعف ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.

 ولهذا تم التشديد على ضرورة تسريع تنزيل ميثاق الاستثمار، وتبسيط المساطر أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة، مع مواصلة سياسة الدعم المباشر للأسر، وتوسيع الحماية الاجتماعية لتشمل فئات جديدة، بما فيها التعويض عن فقدان الشغل وتعميم التقاعد.

إنها رؤية تهدف إلى جعل النمو الاقتصادي أكثر عدالة وشمولية، وتؤكد أن الإصلاح لم يعد مجرد مشروع سياسي، بل خيار وجودي لضمان استقرار البلاد.

وبالتوازي مع ذلك ، يجد البرلمان نفسه في قلب هذه التحولات، إذ يعيش دخولًا تشريعيًا استثنائيًا بكل المقاييس، فالأجندة مثقلة بمشاريع قوانين تنظيمية تمس البنية العميقة للعمل السياسي والحزبي، مثل مشاريع القوانين الخاصة بمجلس النواب والأحزاب السياسية، على اعتبار أنها أدوات لإعادة هندسة المشهد الحزبي والانتخابي، تمهيدًا لاستحقاقات قادمة قد تعيد ترتيب موازين القوى داخل الدولة والمجتمع. ومن هنا، يصبح الأداء البرلماني في هذه السنة اختبارًا حقيقيًا للنضج الديمقراطي.

إن الرهان اليوم يتجاوز التنافس بين الأغلبية والمعارضة. فالمطلوب هو أن يرتقي البرلمان إلى مستوى هذه اللحظة التاريخية ويتحول إلى فضاء للمساءلة الجريئة ولإنتاج الأفكار والمبادرات الإصلاحية، بدل أن يظل رهين الانفعالات الظرفية أو المناوشات السياسية العقيمة.

فالمجتمع ينتظر أن يسمع من ممثليه صوتًا برلمانيًا يتحدث عن مشاكل الصحة والتعليم والقدرة الشرائية بجرأة ومسؤولية، لا عن صراعات المقاعد والمناصب. إنها لحظة يختبر فيها البرلمان نفسه أمام ضميره، كما تختبر الحكومة قدرتها على الصمود أمام منطق المحاسبة.

إن التأملات السابقة تجعلنا نؤكد على ما يميز هذه السنة من تقاطع دقيق ببن الأزمنة السياسية الثلاثة: زمن الدولة الذي يرسم الاستمرارية في التوجهات الكبرى، وزمن الحكومة الذي يواجه ضغط الإنجاز والوقت، وزمن البرلمان الذي يجسد إرادة الأمة ويعكس دينامية النقاش العمومي.

 إن هذا التداخل يجعل المرحلة حساسة ودقيقة، لكنه أيضًا يمنحها طابعًا فريدًا من الحيوية ويتيح أيضا فرصة نادرة لإعادة التوازن والتصحيح، فإما أن تكون هذه السنة تتويجًا فعليا لمسار إصلاحي متدرّج، وإما أن تتحول إلى سنة انتقال حكومي عادي يُعيد فقط الترتيب الشكلي للعلاقات بين المؤسسات.

ما يميّز السياق الراهن هو أن المغرب يجد نفسه أمام معادلة دقيقة : تحقيق التغيير المطلوب دون المساس بالاستقرار.

فالإصلاحات الجارية ليست ترفا سياسيا، بل تعتبر شرطًا لاستمرار الثقة في الدولة وفي مؤسساتها، والمطلوب أن تُترجم التوجيهات الملكية إلى سياسات حكومية ذات أثر ملموس، وأن يتحول البرلمان من منبر للنقاش النظري إلى قوة اقتراحية فاعلة تراقب وتقيّم وتساهم في البناء.

إن سنة 2025–2026 ستكون بلا شك سنة الحسم في معادلة الثقة بين الحكومة والمجتمع. فإما أن تُثبت الحكومة والبرلمان معًا أن النموذج المغربي قادر على التجديد من داخله، أو ستفرض المرحلة القادمة مراجعة أعمق في أسلوب تدبير الشأن العام.

إنها سنة الحقيقة، سنة تُلزم الجميع أن يتكلم بلغة النتائج لا الوعود، وأن يتعامل مع الزمن السياسي بجدية وواقعية، لأن المستقبل لن ينتظر المترددين، ولا التاريخ يرحم من فوّت لحظته.