مجتمع وحوداث

السلوك المدني في فضائنا العام: بين الرقابة الخارجية وبناء الضمير الداخلي

يوسف اغويركات

هذه المقالة هي في الأصل عرض فكري تقدمتُ به، بصفتي عضو المجلس الإداري للشبكة العربية للحوار (القاهرة) والكاتب العام لجمعية الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، أمام عضوات وأعضاء اللجنة الدائمة للقضايا الاجتماعية والتضامن، وذلك بدعوة من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يوم الأربعاء الماضي. وقد جاءت هذه المداخلة في سياق الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في مفاهيم المواطنة، والضمير الجمعي، والتربية على المسؤولية، خصوصا في ظل مفارقة سوسيولوجية واضحة، ففي حين تُمارس السلوكيات المدنية في بعض المجتمعات بشكل تلقائي، تظل في مجتمعاتنا مشروطة برقابة خارجية، ما يعكس أزمة أعمق في بنية الوعي الجماعي، تتجاوز مجرد نقص في التوعية أو التربية.


ينطلق العرض من تحليل الفجوة بين حداثة شكلية تمثلها القوانين والمؤسسات، وحداثة ذهنية لم تترسخ بعد، بوصفها تحولا عميقا في الوعي المدني، وفي العلاقة بالقانون والمسؤولية. ويقترح لتجاوز هذه الهوة مسارا عمليا طويل النفس، من خلال مشروع وطني تربوي وثقافي وإعلامي يُعيد بناء مفهوم المواطنة كقناعة داخلية، لا كالتزام مفروض أو استجابة لرقيب خارجي.


وقد حاولت في هذا السياق تفكيك بعض المسلمات السائدة في التنشئة الاجتماعية، من خلال استحضار أمثلة رمزية مثل قصة “الله يرانا”، التي تُوظف لتربية الأطفال على الطاعة، لكنها في العمق تُربي على الخوف من المراقبة لا على الضمير. من هنا طُرح السؤال الجوهري، هل نربي على الخوف أم على المسؤولية؟ على الطاعة أم على الوعي؟ كما توقفت عند ممارسات شائعة في الفضاء الرقمي، حيث يُلاحظ أن التعليم وحده لا يضمن سلوكا مدنيا راقيا، بل قد يصدر العنف الرمزي والتنمر من بعض من يُفترض أنهم مثقفون، مما يفضح محدودية أثر التعليم التقليدي دون قاعدة قيمية وتربوية حقيقية.


وتندرج هذه المساهمة في سياق اهتمام سابق بالموضوع، حيث سبق لي أن نشرتُ، في 23 ماي 2019، مقالة بعنوان “ما بين ثقافتي الخنوع والتسلط، نحو تنمية السلوك المدني”، حاولت فيها تفكيك الإرث الثقافي الذي يفرغ المواطنة من مضمونها، كما حاولت أن أبين أن ثقافة الخنوع تُنتج مواطنا سلبيا، لا يطالب بحقوقه ولا يشارك في الشأن العام، كما أن ثقافة التسلط تُنتج مواطنا عدوانيا أو سلطة قمعية، لا تؤمن بالحوار أو التعدد. واقترحتُ أربعة مداخل لترسيخ السلوك المدني، المدخل الإنساني الكوني، والمدخل السياسي، والمدني، ثم التربوي، مؤكدا أن التحول المنشود لا يمكن أن يتم دون ثورة ثقافية صامتة تبدأ من المدرسة، وتُلامس الفضاء العمومي، وتعيد الاعتبار لقيم الحوار، والاختلاف، والتسامح، والالتزام المسؤول.


هذا العرض، إذن، لا يقدم توصيفا سطحيا لأزمة نُعاينها، بل محاولة لقراءة جذورها الثقافية والتاريخية، واقتراح مسار عملي للخروج منها. وقد حظيت المداخلة بتفاعل غني ومستوى رفيع من النقاش داخل اللجنة، أحاط بالموضوع من زوايا متعددة. وسأعود لاحقا إلى مضامين هذا النقاش، لما حمله من إضافات مهمة تؤكد الحاجة إلى مواصلة التفكير الجماعي في هذا الورش الثقافي والمجتمعي الحيوي.


السلوك المدني بين ضمير الفرد وسلطة المجتمع: لماذا تتقدم أوروبا ونتعثر نحن؟


في زحمة الفوضى التي تخترق فضاءنا العمومي، من الشوارع المكتظة إلى المنصات الرقمية المتوترة، يلوح سؤال بسيط لكنه موجع، لماذا يبدو السلوك المدني في مجتمعاتنا استثناء، بينما يعد في مجتمعات أخرى قاعدة راسخة؟ هل الخلل في غياب القانون؟ أم في غياب إرادة احترامه؟ أم أن الجذور أعمق، تمتد إلى بنية الثقافة، وأساليب التنشئة، وطرق بناء الضمير الفردي؟


كلما صادفنا مشهدا من مشاهد اللامبالاة أو الفوضى، من رمي النفايات عشوائيا، إلى خرق الطوابير، أو العنف الرمزي في الفضاء الرقمي، يعود هذا السؤال بإلحاح، لماذا ينهار السلوك المدني رغم كثرة المؤسسات والإصلاحات؟


وفي المقابل، لماذا يُمارس السلوك المدني بشكل تلقائي وطبيعي في كثير من المجتمعات الأوروبية، حتى في غياب الرقابة الصارمة؟


الجواب لا يكمن فقط في وجود القوانين أو غيابها، بل في عمق الثقافة التي تُشكل وعي الفرد. يكمن الفارق بين من ينظر إلى القانون كالتزام خارجي مفروض، ومن يتبناه كقناعة داخلية راسخة. بين من يدين الفوضى نظريا فقط، ومن يجسد احترام النظام في تفاصيل حياته اليومية بكل وعي ومسؤولية.


قد يكون هذا الفرق انعكاسا لمدى تشرب قيم الحداثة وثقافة الأنوار، لا كخطاب متعالٍ، بل كممارسة متجذرة في المدرسة، والإعلام، والأسرة، والشارع. فهل يمكننا إعادة التفكير في منظومة التنشئة بأكملها؟ وهل نملك الشجاعة الثقافية للبدء من هناك؟


سلوك تلقائي لا مراقب


في العديد من الدول الأوروبية، أصبح السلوك المدني جزءا من النمط اليومي للحياة، احترام الفضاء العمومي، الحفاظ على النظام، التعامل برقي في الخلاف، الالتزام بالواجبات في مقابل الحقوق… كل هذه الممارسات هي مجرد تحصيل حاصل لتربية مدنية تراكمت عبر قرون من التنوير العقلي والسياسي. المواطن يرى في احترام القانون شكلا من أشكال احترامه لذاته، وفي حماية المرفق العام حماية لما هو له.


أما في مجتمعات العالم الثالث، والمغرب من ضمنها، فالسلوك المدني غالبا ما يظل سلوكا مشروطا بالحضور الأمني أو الرقابة الخارجية، ما إن تغيب السلطة، حتى تطفو على السطح مظاهر الفوضى، كأن القانون غريب عن وعي الفرد، وكأن المرفق العام لا يعنيه.


من التربية الدينية إلى التربية المدنية


قراءة في قصة “الله يرانا” لأحمد بوكماخ


تحكي قصة “الله يرانا” للكاتب أحمد بوكماخ عن رجلٍ اصطحب ابنه إلى بستان لسرقة العنب، وطلب منه أن يصفر إذا رأى أحدا قادما. وبينما كان الأب يجني عناقيد العنب، سمع صفيرا عاليا، ففر مسرعا وهو يلتفت يمينا وشمالا دون أن يرى أحدا. ولما سأل ابنه عن سبب التحذير، أجابه الطفل ببراءة “رآك الله”. فاستوقفه هذا الجواب البسيط، وأيقظ في نفسه شعورا بالخجل والندم، فتراجع عن فعلته وتاب.


وقد تناول الأستاذ سعيد بنكراد هذه القصة بالتحليل، مسلطا الضوء على مفارقة تربوية جوهرية، بين تربية تُخضع السلوك لرقابة خارجية، وأخرى مدنية تُنضج الضمير ليكون الرقيب نابعا من داخل الذات، ولست هنا لأكرر نفس القراءة، بل لأضيف منظورا يرتبط بإشكالية بناء المواطنة والتنشئة على المسؤولية الأخلاقية.


تبدو هذه القصة، في ظاهرها، موعظة دينية تهدف إلى غرس الشعور برقابة الله في نفوس الناشئة، وهي بذلك تمثل نموذجا تقليديا من أساليب التنشئة في مجتمعاتنا، حيث يستعمل الخوف من العقاب الإلهي كوسيلة لضبط السلوك وتقويم الأفعال، هذا هو الفرق بين نمط تربوي يُقيِّم السلوك وفق ضوابط خارجية، وآخر يُراهن على تنمية الحس الأخلاقي من داخل الذات.


هذا النوع من التوجيه، رغم نجاعته الظرفية، يظل قاصرا عن بناء ضمير مدني ناضج، إذ لا يدفع الفرد إلى اجتناب الفعل الخطأ احتراما لحقوق الآخرين، بل خشية من عقوبة غيبية، فثوبة الأب، في القصة، لم تنبع من وعي اجتماعي بمضار السرقة، بل من إدراك ديني بوجود رقيب لا يخفى عليه شيء.


هنا يتبدى الفرق الجوهري بين تربية قائمة على الرقيب الخارجي، وأخرى تسعى إلى تشكيل وعي داخلي مستقل. فالتربية المدنية لا تعول على الخوف، بل تبني في الفرد إحساسا عميقا بالمسؤولية، يجعله يختار السلوك الأخلاقي حتى في غياب الرقيب، انطلاقا من قناعة ذاتية بأن احترام القانون، والغير، والمصلحة العامة، هو شرط للكرامة الإنسانية والتعايش المشترك.


إن التربية المدنية الحقيقية لا تكتفي بضبط الأفعال، بل تعلم الإنسان لماذا ينبغي أن يكون عادلا ونزيها ومحترِما لغيره. إنها لا تكتفي بزجر السرقة، بل تزرع في النفس أن الكرامة لا تُنال إلا حين نصون كرامة الآخرين.


الفضاء الرقمي… مرآة لأزمة أعمق


لم تزدنا منصات التواصل الاجتماعي إلا انكشافا. فبدل أن تكون أداة للحوار والتلاقي، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات للعنف الرمزي، والتنمر، والتشهير، حيث تسقط أقنعة التمدن، وتتكشف هشاشة الثقافة المدنية في سلوكنا اليومي.


والمقلق أن هذا العنف لا يصدر فقط عن “الجهلة”، بل يمارس أحيانا بأقلام مثقفين ومتعلمين، في مفارقة مؤلمة تكشف أن التعليم وحده لا يصنع مواطنا مدنيا، وأن الرصيد المعرفي لا يعفي صاحبه من محاسبة السلوك.


ولعل هذه المفارقة ليست وليدة العصر الرقمي فحسب، بل لها امتدادات أعمق في تاريخ الفكر المغربي المعاصر. فعوض أن تشكل الخلافات الفكرية بين رموز مثل عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، أو بين تيارات متعددة، فرصة لخصوبة الحوار وتلاقح الرؤى، تحولت أحيانا إلى حروب باردة أو ساخنة، يسودها التجاهل، التحقير، وتسفيه الأطروحات، بدل التحاور النقدي المتكافئ.


فأي رسائل يتلقاها الجيل الجديد من هذا المشهد؟ حين يرى أن النخبة نفسها تعجز عن إدارة الاختلاف بشكل راقٍ، وأن العنف الرمزي يتسلل حتى إلى الخطاب المفترض فيه أن يكون منارة للعقلانية؟


يمكننا إعطاء أمثلة متعددة عن الخلافات الفكرية بين التيارات المختلفة، من يساريين ومحافظين، مرورا بدعاة القومية العربية وأنصار الهوية الأمازيغية، إلى العلمانيين والإسلاميين. هذه الخلافات هي مظهر طبيعي للتعدد في أي مجتمع حيّ، إلا أن هذه الخلافات، في كثير من الحالات، تحولت من فرص للحوار والتلاقح المعرفي إلى ساحات صراع قاسية، غاب فيها العقل الجدلي والحوار العقلاني، وحل محله التجاهل المتعمد، والاتهامات بالسب والتخوين والتحريض على التشويه والتشفي… وبذلك، فقدت الخصومة الفكرية بُعدها الإثرائي، وأصبحت أكثر احتقانا أبعد عن إمكانات التقاطع وبناء جسور التفاهم.


إننا لا نواجه أزمة سلوك فحسب، بل أزمة ثقافة حوار. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى ميثاق ثقافي مدني، لا يقتصر على توجيه سلوك العامة، بل يشمل أيضا مسؤولية النخبة في إرساء نموذج للحوار الديمقراطي، يتسع للاختلاف دون خصومة، وللنقد دون إسفاف.


هل نحن خارج الحداثة؟


ربما لا تكمن المسألة فقط في غياب “السلوك”، بل في غياب الأسس الثقافية والذهنية التي ينتج عنها هذا السلوك. الحداثة ليست فقط برلمانات وقوانين؛ إنها مخيال جماعي، وعقد اجتماعي، وتربية مؤسساتية تجعل الفرد يرى نفسه فاعلا في المجال العام، لا كائنا خاصا فقط.


تشرُّب أوروبا لقيم الأنوار، من عقلانية، ومساواة، وحرية، ومسؤولية، لم يكن لحظة طارئة، بل مشروعا طويلا، صنعه فلاسفة، ومربون، ومشرعون، ومجتمع مدني واعٍ. الحداثة عندهم لم تقتصر على تغيير البنيات، بل أعادت بناء الإنسان كمواطن مسؤول، لا مجرد رعية أو مستهلك أو تابع.


في المقابل، خاضت مجتمعاتنا عملية “تحديث مؤسساتي” دون أن تستكمل مسار التحديث الذهني والقيمي. أُنشأت المدارس، لكن كثيرا منها لم تبنِ المواطنة. تم سن القوانين، لكن كثيرا منها لم يُنمِّ في الطلاب روح المواطنة والمسؤولية المدنية. وُضعت القوانين، لكن كثيرا من الأفراد لا يرون فيها تجسيدا حقيقيا لإرادتهم ومصالحهم.


وهنا نشأ توتر خطير بين مؤسسات حداثية من جهة، وأفراد ما زالوا متشبثين بمنطق التقليد أو يميلون إلى الانفلات من قواعد النظام من جهة أخرى.


كما أن هناك قوانين صارت بمثابة نصوص افتراضية لا تطبق على أرض الواقع، مثل قانون منع التدخين في الأماكن العمومية، الذي أُقِر قبل أكثر من ثلاثين سنة، ونشر في الجريدة الرسمية، لكنه لا يزال حبرا على ورق.


فما جدوى قانون لا ينفذ؟ وأي رسالة تصل إلى المواطن وهو يرى أن بعض القوانين لا تطبق، وأن التجاوزات والعشوائية تمارس بلا رادع؟


هذا الواقع يضعف الثقة في المؤسسات ويعرقل بناء ثقافة احترام القانون، ما ينعكس سلبيا على السلوك المدني والتنمية الشاملة.


من أجل مشروع ثقافي لإرساء السلوك المدني


من التشخيص إلى الفعل: نحو ميثاق ثقافي مدني


لا توجد حلول سحرية جاهزة، ولكن الخطوة الأولى والجوهرية تكمن في إدراك حقيقة أننا لا نواجه أزمة في القوانين فقط، بل أزمة في الوعي المدني ذاته. وما نحتاجه ليس مجرد تعزيز آليات الرقابة، بل إطلاق مشروع وطني شامل يهدف إلى ترسيخ ثقافة السلوك المدني، يبدأ منذ الطفولة، ويتغلغل في البيت والمدرسة ووسائل الإعلام، ويعتمد في ممارساته اليومية على القدوة الحسنة، والحوار البناء، وروح التسامح.


الحداثة ليست حكرا على الغرب وحده، بل هي أفق إنساني واسع ومفتوح. وبين ضجيج شوارعنا المزدحمة وحالات الفوضى التي تتكرر في فضاءاتنا العامة، تنبعث دعوة ملحة لإعادة تشكيل الضمير الجماعي، وجعل السلوك المدني ليس مجرد تصرف استثنائي، بل قاعدة راسخة للحياة اليومية.


ورغم غياب وصفة جاهزة، يمكن للنخبة الثقافية أن تتولى مسؤولية وضع نواة لمشروع ميثاق وطني للسلوك المدني، يطرح للنقاش العام، ويشارك في صياغته الفنانون، والمربون، والإعلاميون، والفقهاء، ونشطاء المجتمع المدني.


ميثاق يهدف إلى استعادة مكانة أخلاقيات العيش المشترك، وترسيخ التوازن بين الحقوق الفردية والواجبات الاجتماعية.


فالمواطنة الحقة لا تقتصر على حمل بطاقة هوية فقط، بل تتجلى في الالتزام بحماية الوطن والاهتمام به في تفاصيل الحياة اليومية. كما نحتاج إلى مشروع ثقافي متكامل يعيد تشكيل الضمير الجمعي على أسس المسؤولية والاحترام، ويجعل من القيم المدنية نمط حياة لا شعارات موسمية. إنها ثورة هادئة تبدأ من التربية وتمتد إلى الإعلام والدين والفن، لتصنع مواطنا يرى في القانون كرامته لا قيده.


نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي مجتمعي الطابع، طويل النفس، متعدد الواجهات، لا يكتفي بالتوجيه، بل يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والفضاء العام. هذا المشروع لا ينطلق من فراغ، بل من إيمان بأن الأخلاق المدنية ليست ناتجا ثانويا للتنمية، بل شرط من شروطها.


إنه مشروع يبدأ من المدرسة التي تزرع المعنى وراء القوانين، لا الخوف منها، ويمر عبر إعلامٍ يبشر بجمالية الالتزام بدل تسويق الفوضى، ويجد قوته في نخبة فكرية تكتب وتناقش بلغة الناس، وفي خطاب ديني يعلي من شأن الكرامة والمسؤولية بعيدا عن خطاب الاتكال أو العنف والكراهية. فالخطاب الديني، حين يرتكز على الكرامة الإنسانية، والاختيار الحر، والمسؤولية الأخلاقية، يصبح رافعة قوية لبناء الضمير المدني، لا مجرد أداة وعظية، فالقيم الروحية الحقيقية لا تتعارض مع السلوك المدني، بل تؤسسه، أما خطابات العنف والاتكال فهي تشوه الدين وتحوله إلى أداة للتنفير لا التنوير، وتفرغ السلوك من محتواه الواعي، ليصبح مجرد انقياد أو تبرير. ولهذا، فإن إدراج خطاب ديني مدني، يركز على التعايش، يحث على الاجتهاد، ويحترم التنوع، هو من صميم أي مشروع ثقافي يراد له أن ينتج مواطنا لا تابعا، وإنسانا لا أداة.


هل نحن مستعدون؟


هدف هذا المشروع الثقافي ليس فقط أن نحسن مظاهر العيش المشترك، بل أن نبني ضميرا جمعيا يرى في احترام القانون احتراما للذات، وفي حماية الفضاء العمومي دفاعا عن الوطن. بهذا، تتحول القيم من دروس تلقى إلى بنية ذهنية وثقافية تترجم تلقائيا إلى سلوك.


الحداثة ليست حكرا على أوروبا، بل هي أفق إنساني مشترك. كل ما نحتاجه هو أن نطلق الشرارة الأولى في منازلنا، في مؤسساتنا، في خطابنا اليومي.


فلنُعِد رسم ملامح النضج المجتمعي، فليس الوعي أن نتجاوز النظام، بل أن ننسج من خيوط الاحترام اليومي ثقافة صلبة تُحصّن وطننا من التآكل الرمزي. وليكن المعنى الجديد للمواطنة هو أن نصون الوطن بسلوكنا في أدق التفاصيل، في تلك اللحظات الصامتة التي لا تُكتب في دفاتر القوانين، لكنها تصنع جوهر العيش المشترك وتبني كرامة الكل في صمت.