قضايا

بوح متقاعد

إدريس المغلشي

فرق شاسع بين دولة تكرم الإنسان ومن خلاله متقاعديها ، وهو مجهود مقدر يرسخ ثقافة الاعتراف، فلا تذخر جهدا في الاحتفاء بمن خدموا الوطن وقدموا أغلى ما يملكون زهرة شبابهم، مقابل نموه وازدهاره. فلا يتضايقون رغم رهافة المشاعروهم ينتظرون مرافق تستقبلهم بما يليق بهم وبسنهم وتخصص لهم امكنة بل وتعطيهم حق الاسبقية ليحسوا من خلال هذا التعامل بالعزة والافتخار. ويتعزز لديهم ألشعور والانتماء بالوطن .

في بلدنا العزيز ، العزلة خيمت على المحيط والتخلي عنهم عقيدة المسؤولين من خلال سلوك لايستحضر هذه الفئة وكأنها كائنات منتهية الصلاحية. تخونهم اللحظات حين تنساهم الخدمات الصحية التي تليق بهم ويملون من غياب امتيازات في السفر و ينزعجون حين لا تساعدهم الدولة على كيفية استثمار ما بقي من حياتهم ورصيد جهدهم وكدهم واجتهادهم في تنويع الترفيه وفن العيش في حياة ملؤها الهدوء والسكينة وقبلها الكرامة والعيش اللائق. يركبهم الضجر وهم يعيشون لحظة تنكر بلا اعتراف ولارد الجميل وكأنهم عبء ثقيل تحاول الدولة التخلص منهم .

التقاعد باعتباره ولادة جديدة لنمط حياة مغايرة تستفيد من تجارب العمر الطويل والمسار المهني الشاق، كلفته الزمن والاستفادة من أخطاء الماضي. عوامل لاشك أنها تجعل من صاحبها عميق النظر متأني في اتخاذ القرار. لا تستفزه الأحداث يستطيع معالجتها بكثير من التروي والحذر والتأمل لكن هنا المتقاعد في وطني يعيش تناقضا وتيها بلا بوصلة بعدما اختلفت توجهات الفئة وتنوعها بين من يعتقد أن لافائدة من إثارة الانتباه لبنية عمرية أعياها الزمن بتقلباته،واحتلت الأمراض كثير من المواقع في جسده.وقلت طاقته واصبح يساير الزمن بكثير من التسليم بمحصلته دون أن يجابه صعوباته.

لم تعد تسعفه قدراته وسط هذا الجحود. فلا أحد يلتفت لوجوده وصوته ولا لاحتجاجاته وكأنها صيحة في واد، في عهد حكومات لاتخفي تنكرها ولا جحودها .فسلوكاتها لاتعني سوى خلاصة واحدة أن الادارة تخلصت من موظفيها ولم يعد هناك رابط لاصلة .

مرحلة التقاعد كثير منا يعتقد انها مرحلة أخيرة من عمر الإنسان وبالتالي فوضعيتها لاتستدعي كثير من التفكير والتدبير بل سلسة دون عناء .فلماذا يسعى البعض لتعقيدها بأسئلة محرقة من قبيل لماذا نسائل كيفية تدبير الصندوق ومصيره أمام سياسة التهديد بالافلاس في كل مرة ؟ دعونا نتفق أننا لا نتوسل حسنة ولامعونة من أحد واستغرب كيف أن موظفا سابقا باعتباره متقاعدا حذف من أسلاك الوظيفة يسلم مصيره لصندوق تبدو المعلومات حوله شحيحة ونتساءل كيف يستقيم الأمر و قد أدى قسطا شهريا تم اقتطاعه من راتبه الشهري طيلة مساره المهني دون أن تؤدي الدولة مابذمتها ؟ غياب عنصر الثقة بين الصندوق والمتقاعد تعززه كثير من المبررات والأسباب لعل أبرزها ما يدور من نقاش حول سؤال محوري .

هل مايتقاضى المتقاعد معاشا أم أجرا؟ فإذا كان معاشا فلايجب ان يخضع للضريبة أما إذا اعتبرناه أجرا فيسري عليه مايسري على النشيط من زيادة. وهناك من يتساءل كذلك إذا كان ادخارا لماذا لانستفيد من عائداته كعمولات وفائض ؟

الغريب أن كل هذه الأسئلة تبقى معلقة دون جواب، لأن الصندوق في تعريف الدولة يخضع لتسيير حكومي ومجلس إداري لانعرف مكوناته ولاممثليه ومتى تتم الانتخابات

 بشأنه؟ الإشكال الكبير الاتعترف الدولة بالمتقاعد أولا كمواطن كامل الحقوق، ثانيا كموظف سابق له حقوق ينتظر من ينصفه أمام لهيب معيش يومي مستعر .وهو أمر لن يدافع عنه سوى أصحابه. الذين يتابعون في صمت مصير المتقاعد، هم بالضرورة متقاعدون مثله، أو مشاريع مفتوحة للتقاعد في المستقبل، حتما ستعيش نفس الحالة مالم نتحرك .