سياسة واقتصاد

مثلث التماسك المغربي .. حين يُراد الفصل بين ما لا يقبل الانفصال

ميمونة الحاج داهي

تقوم بعض القراءات الرائجة اليوم على فرضية ضمنية مفادها أن العلاقة بين الشعب المغربي والملكية أصبحت موضوع تجاذب أو صراع أو اصطفاف بين مؤيدين ومعارضين، وكأن الأمر يتعلق بمؤسسة سياسية عادية يمكن أن توجد خارج مجتمعها أو أن تدخل في مواجهة مع محيطها الاجتماعي. غير أن هذه المقاربة، مهما بدت جذابة من الناحية الإعلامية، تصطدم بخصوصية التجربة المغربية وبحقائق التاريخ.

فالملكية في المغرب ليست مجرد نظام حكم اختاره جيل من الأجيال ثم أصبح قابلا للتبديل مع تغير المزاج السياسي، وإنما هي جزء من البناء التاريخي للدولة المغربية نفسها. لقد تعاقبت الدول والسلالات، وتبدلت الظروف والأزمنة، وتعرض المغرب لحروب وأزمات وتحولات عميقة، لكن العلاقة بين العرش والشعب ظلت واحدة من أكثر الثوابت رسوخاً في الحياة الوطنية. ولهذا يصعب فهم المغرب من خلال الفصل بين مكوناته الأساسية، لأن الشعب والملك والوطن ليسوا عناصر متجاورة داخل المشهد الوطني، بل مكونات متداخلة تشكل في مجموعها بنيان الدولة المغربية.

ومن هنا تبدو بعض السرديات المتداولة مثيرة للاستغراب. فعندما يُقال إن الملكية أصبحت مستهدفة من طرف جزء من الشعب، فإن ذلك يفترض ضمنيا وجود قطيعة بين المؤسسة الملكية وامتدادها الشعبي. وعندما يُقال إن فئات من المغاربة تتولى الدفاع عن الملكية في مواجهة فئات أخرى، فإن ذلك يوحي بأن المجتمع المغربي منقسم حول أحد أهم ثوابته الجامعة. والحال أن الواقع أكثر بساطة وأكثر عمقا في الوقت نفسه.

فلا أحد ينكر وجود أصوات محدودة تتبنى مواقف متطرفة أو تتجاوز في خطابها الحدود التي يرسمها القانون والاحترام الواجب للمؤسسات. غير أن تحويل هذه الأصوات المعزولة إلى مؤشر على اتجاه مجتمعي عام يفتقد إلى السند الواقعي. فالمجتمعات لا تُقاس بهوامشها، وإنما بأغلبيتها وباتجاهها العام. والاتجاه العام في المغرب ظل، عبر مختلف المراحل، قائما على الارتباط بالعرش والالتفاف حول المؤسسة الملكية باعتبارها رمزا للوحدة والاستمرارية والاستقرار.

وما يستدعي الانتباه أكثر هو أن بعض الفاعلين السياسيين، أو بعض المنخرطين في معارك السياسة اليومية، باتوا يلجؤون إلى استدعاء المؤسسة الملكية إلى قلب السجال العمومي دون حاجة إلى وقائع أو تصريحات صريحة. فبدل مناقشة الخصوم في حدود ما يقولون أو يطرحون، يجري أحيانا الانتقال إلى تأويل النوايا وقراءة المقاصد المفترضة، ثم بناء استنتاجات توحي بأن هذا الطرف أو ذاك يضمر موقفا من المؤسسة الملكية، رغم أن خطابه المعلن قد لا يتضمن أي إشارة إليها. وهنا لا يعود النقاش قائما على الوقائع، بل على افتراضات يصعب التحقق منها، وعلى اتهامات تستمد قوتها من التأويل أكثر مما تستمدها من الحقيقة.

وتكمن خطورة هذا المنحى في أنه ينقل الملكية من موقعها الجامع والضامن للتوازن الوطني إلى موقع الطرف داخل صراعات سياسية ظرفية. فحين تصبح النوايا المفترضة أهم من التصريحات المعلنة، وحين تتحول التأويلات إلى أدلة، يغدو من السهل إلصاق مواقف لم تُعلن أصلا بأصحابها، كما يصبح من السهل جر المؤسسة الملكية إلى معارك ليست معاركها. والحال أن خصوصية الملكية المغربية تكمن في كونها إطارا جامعا يلتقي داخله المغاربة على اختلاف توجهاتهم ومواقعهم، لا موضوعا للتجاذب بينهم.

واللافت أن بعض الخطابات تذهب أبعد من ذلك، فتسعى إلى تصوير الوطن نفسه وكأنه يقف على حافة الخطر بشكل دائم، وكأن الدولة المغربية تفتقر إلى المؤسسات القادرة على حماية سيادتها وأمنها واستقرارها. والحقيقة أن المغرب راكم خلال العقود الأخيرة مؤسسات أمنية وعسكرية محترفة ذات كفاءة مشهود بها، وأصبحت خبراتها محل تقدير وتعاون على المستويين الإقليمي والدولي. وهذا لا يلغي طبعا مسؤولية المواطنين في خدمة وطنهم والدفاع عن مصالحه، لكنه يضع الأمور في سياقها الصحيح بعيدا عن التهويل والمبالغات التي توحي بأن الدولة عاجزة عن حماية نفسها أو أن الوطن متروك لمصيره.

إن قوة المغرب لا تكمن في وجود مؤسسة ملكية قوية فقط، ولا في وجود شعب متشبث بوطنه فقط، ولا في امتلاكه لمؤسسات دولة فاعلة فقط، وإنما في التفاعل المتوازن بين هذه العناصر جميعا. فالملك يستمد قوته من شرعية تاريخية وشعبية متجذرة، والشعب يجد في المؤسسة الملكية رمزا للاستمرارية والوحدة، والوطن يحتضن هذه العلاقة ويمنحها معناها السياسي والحضاري.

لم يعد السؤال حول من يدافع عن الملكية؟ ولا من يحمي الوطن؟ بل كيف استطاع المغرب أن يحافظ على هذا التماسك رغم كل التحولات التي عرفتها المنطقة من حوله؟ وكيف بقيت العلاقة بين العرش والشعب عصية على محاولات التشكيك والتفكيك التي ظهرت في محطات مختلفة من تاريخه؟

الجواب ربما يكمن في أن هذه العلاقة لم تُبنَ على ظرف سياسي عابر، ولم تنشأ استجابة لحاجة مؤقتة، وإنما تشكلت عبر قرون من التراكم التاريخي المشترك. لذلك فإن كل محاولة لتصوير الشعب والملك وكأنهما طرفان متقابلان داخل معادلة واحدة تبدو بعيدة عن فهم طبيعة الدولة المغربية نفسها.

لقد أثبت التاريخ أن ما يجمع المغاربة بملكيتهم أكبر من أن تختزله سجالات عابرة، وأن ما يربط الشعب بالعرش والوطن ليس تحالف مصالح مؤقتا، بل رابطة تاريخية متجذرة في وجدان الأمة المغربية. ومن هنا فإن أكثر القراءات اتزانا ليست تلك التي تبحث عن الشقوق، وإنما تلك التي تدرك أن سر قوة المغرب ظل دائما في تماسك أضلاعه الكبرى: الشعب، والملك، والوطن.

فالشعب للملك، والملك للشعب، وكلاهما للوطن. وبين هذه الأضلاع الثلاثة تشكلت خصوصية التجربة المغربية، واستطاع المغرب أن يحافظ على استقراره ووحدته واستمراريته عبر القرون. أما الأصوات العابرة، والسرديات المتعجلة، والتأويلات التي تحاول صناعة خصومات حيث لا خصومة، فلن تغير من حقيقة راسخة أثبتها التاريخ مرارا و هي أن ما جمع العرش والشعب والوطن في المغرب كان دائما أقوى من كل محاولات الفصل بين ما لا يقبل الانفصال.