مجتمع وحوداث

خطبة الجمعة في السياق الغربي.. بين حفظ الهوية الدينية ومواكبة التحولات الاجتماعية

الصادق العثماني (باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني)
تُعد خطبة الجمعة واحدة من أهم المؤسسات التواصلية والتربوية في الإسلام، فهي ليست مجرد موعظة دينية أسبوعية، بل فضاء لصناعة الوعي الجماعي، وتوجيه السلوك الفردي، وربط المسلم بقيم دينه ومقاصده الكبرى. وقد ظلت الخطبة عبر التاريخ الإسلامي أداة فعالة في التعليم والإرشاد والإصلاح الاجتماعي، غير أن انتقال المسلمين إلى البيئات الغربية وما رافقه من تحولات ثقافية واجتماعية وقانونية عميقة، فرض على هذه المؤسسة الدينية تحديات جديدة وأسئلة غير مسبوقة تتعلق بوظيفتها ومضمونها ولغتها وأهدافها.

لقد تشكلت خطبة الجمعة في المجتمعات الإسلامية التقليدية داخل فضاء ثقافي متجانس نسبياً، حيث يشترك أغلب الحاضرين في اللغة والمرجعية الدينية والعادات الاجتماعية والتصورات العامة للحياة. أما في الغرب، فإن الإمام والخطيب يجد نفسه أمام جمهور متعدد الخلفيات والأعمار والثقافات واللغات، يضم مهاجرين من بلدان مختلفة، ومسلمين من أصول غربية، وشباباً ولدوا ونشؤوا في المجتمعات الغربية، إضافة إلى المهتدين الجدد إلى الإسلام. هذا التنوع يجعل من الخطبة مهمة أكثر تعقيداً، ويستدعي مراجعة كثير من الأساليب التقليدية التي لم تعد قادرة على الاستجابة للحاجات الحقيقية للمسلمين في هذه البيئات الجديدة.

ومن منظور مقاصدي، فإن القيمة الحقيقية لخطبة الجمعة لا تكمن في المحافظة الشكلية على الأنماط الخطابية الموروثة، وإنما في قدرتها على تحقيق مقاصد الشريعة في الهداية والتزكية والإصلاح وبناء الإنسان الصالح والمواطن الإيجابي. فالشريعة لم تجعل الخطبة غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق مصالح الناس الدينية والدنيوية. ولذلك فإن أي قراءة تجديدية لواقع الخطبة في الغرب ينبغي أن تنطلق من سؤال المقاصد لا من سؤال الأشكال، ومن سؤال الفاعلية لا من سؤال التكرار.

ومن أبرز الفرص التي يتيحها السياق الغربي أمام خطبة الجمعة أنها تعمل داخل مجتمعات قائمة على حرية التعبير والتعددية الدينية وحق التنظيم المدني، وهي مكتسبات تمنح المؤسسات الإسلامية في الغرب مجالاً واسعاً للعمل والتأثير مقارنة بما هو موجود في كثير من البلدان الإسلامية التي تخضع فيها المنابر لرقابة ادارية صارمة. ففي العديد من الدول الغربية يستطيع الإمام أن يناقش قضايا مجتمعه بحرية أكبر، وأن يساهم في معالجة المشكلات الأسرية والاجتماعية والفكرية التي يعيشها المسلمون بكل حرية؛ دون مضايقته من أحد ما دام يحترم القانون العام للدولة التي يقطن فيها .

كما تتيح المجتمعات الغربية للخطيب فرصة الانفتاح على تجارب إنسانية وفكرية متنوعة، والاستفادة من مناهج العلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية الحديثة في فهم الواقع ومعالجة المشكلات المعاصرة. فالخطيب الناجح اليوم لم يعد ذلك الذي يحفظ النصوص فحسب، بل الذي يستطيع الربط بين النص والواقع، وبين الوحي ومتغيرات العصر، وبين الأحكام الجزئية والمقاصد الكلية. إن المسلم في الغرب يحتاج إلى خطبة تساعده على فهم قضايا المواطنة والتعددية والتعايش والاندماج الإيجابي، كما يحتاج إلى خطاب يعالج أسئلة الهوية والانتماء والمعنى التي تفرضها الحياة الحديثة.

ومن الفرص المهمة أيضاً أن خطبة الجمعة في الغرب أصبحت وسيلة للحفاظ على الهوية الإسلامية للأجيال الجديدة. فالكثير من أبناء المسلمين لا يتلقون تعليماً دينياً منتظماً خارج المسجد، مما يجعل الخطبة إحدى أهم القنوات المتاحة لترسيخ القيم الإسلامية وربط الشباب بتراثهم الديني والثقافي. غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تطوير لغة الخطاب وأساليبه بما يتناسب مع طبيعة هذه الأجيال التي تشكلت في بيئة رقمية مختلفة جذرياً عن البيئات التي نشأت فيها الأجيال السابقة.

وفي المقابل، تواجه خطبة الجمعة في الغرب تحديات كبيرة ومعقدة. ومن أهمها أزمة اللغة. فعدد متزايد من الشباب المسلمين لا يتقنون لغة آبائهم الأصلية بالدرجة التي تمكنهم من فهم الخطب التقليدية. ولذلك فإن الإصرار على إلقاء الخطب بلغات لا يفهمها الجمهور يؤدي عملياً إلى تعطيل الوظيفة التربوية للخطبة، حتى وإن تم الحفاظ على شكلها التقليدي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى اعتماد لغات المجتمعات المحلية، أو المزج بين اللغة العربية ولغات الجمهور المستهدف، بما يحقق مقصد الإفهام والتبليغ .

كما تواجه الخطبة تحدياً آخر يتمثل في هيمنة الخطاب الوعظي التقليدي الذي يركز على القضايا الفردية المجردة ويغفل المشكلات الواقعية التي يعيشها المسلمون يومياً. فكثير من الشباب في الغرب يبحث عن إجابات تتعلق بالهوية والتمييز والعلاقات الاجتماعية والتحديات الرقمية والأخلاقية المعاصرة، بينما يجد نفسه أمام خطب تكرر موضوعات بعيدة عن اهتماماته وأسئلته الفعلية. وهنا يظهر الخلل بين الواقع والخطاب، وبين حاجات الناس والمضامين المقدمة لهم.

ومن التحديات كذلك استمرار بعض الخطباء في استيراد الصراعات الفكرية والسياسية والمذهبية القادمة من بلدان المنشأ، وتحويل منابر الغرب إلى ساحات لإعادة إنتاج الانقسامات القديمة. إن المسلم الذي يعيش في باريس أو لندن أو ساو باولو أو تورونتو يواجه تحديات تختلف كثيراً عن التحديات التي يعيشها المسلم في بلده الأصلي، ولذلك فإن الخطاب الذي لا ينطلق من واقع الناس يفقد قدرته على التأثير مهما بلغت قيمته النظرية.

ويتخذ هذا الإشكال أحياناً صوراً أكثر خطورة حين تتحول بعض منابر الجمعة في الغرب إلى فضاءات للتعبئة السياسية والانفعالية المرتبطة بأزمات العالم العربي أو بعض مناطق العالم الإسلامي التي تعرف اضطرابات وصراعات داخلية. فبدلاً من توجيه الخطبة نحو معالجة قضايا المسلمين في مجتمعاتهم الغربية، ينشغل بعض الدعاة والخطباء بإعادة إنتاج الاستقطابات السياسية والحزبية القادمة من الخارج، والدعوة إلى الاصطفاف خلف هذا الطرف أو ذاك، بما يجعل المنبر أسيراً لأجندات لا ترتبط بالضرورة بالحاجات الحقيقية للمصلين.

وقد يتجاوز الأمر حدود النقاش السياسي المشروع إلى استعمال لغة عدائية تجاه المجتمعات الغربية أو شعوبها، عبر خطابات تقوم على التعميم والشيطنة وإثارة مشاعر الكراهية والعداء، أو من خلال الدعاء على المجتمعات والدول بالهلاك والدمار والكوارث الجماعية. ومثل هذه الممارسات لا تنسجم مع الرسالة الأخلاقية للمنبر الإسلامي، كما أنها تسيء إلى صورة المسلمين وتعمق مشاعر العزلة والانغلاق بدلاً من بناء جسور الثقة والتفاهم مع المحيط الاجتماعي.

ومن منظور مقاصدي، فإن وظيفة خطبة الجمعة لا تتمثل في تأجيج الصراعات أو تصدير الخصومات السياسية، وإنما في ترسيخ قيم الهداية والإصلاح والرحمة والعدل. فالمنبر الذي يتحول إلى أداة للتحريض يفقد كثيراً من مشروعيته التربوية، لأن المقصد الشرعي من الخطبة هو بناء الإنسان الصالح والمجتمع المتوازن، لا إنتاج مشاعر الغضب الجماعي أو تغذية النزاعات العابرة للحدود. كما أن العدل الذي جعله الإسلام قيمة مركزية يقتضي التمييز بين السياسات والمواقف وبين الشعوب والأفراد، وعدم تحميل المجتمعات بأكملها مسؤولية أخطاء الحكومات أو النزاعات الدولية.

إن المسلم المقيم في الغرب يحتاج إلى خطاب يساعده على الاندماج الإيجابي في مجتمعه، والمشاركة في خدمة الصالح العام، والدفاع عن حقوقه وواجباته ضمن إطار المواطنة والقانون، لا إلى خطاب يرسخ القطيعة النفسية والثقافية مع محيطه. ولذلك فإن من مقتضيات فقه الأقليات وفقه المقاصد أن تتحرر خطبة الجمعة من الانفعالات السياسية العابرة، وأن تلتزم خطاباً متوازناً يجمع بين نصرة المظلومين والدفاع عن القضايا العادلة من جهة، والمحافظة على قيم الحكمة والاعتدال والكرامة الإنسانية من جهة أخرى.

ومن زاوية مقاصدية، فإن أحد أكبر التحديات يتمثل في الخلط بين الثوابت والمتغيرات. فكثير من النقاشات المتعلقة بخطبة الجمعة تنطلق من تصور يجعل جميع العناصر المرتبطة بالخطبة ثابتة غير قابلة للاجتهاد، في حين أن تاريخ الفقه الإسلامي نفسه يكشف عن وجود مساحة واسعة للاجتهاد المرتبط بالمصلحة والعرف وتغير الزمان والمكان. وقد أدرك كبار علماء المقاصد هذه الحقيقة، فبين الإمام الجويني أن الأحكام والسياسات الشرعية تتغير تبعاً للمصالح المتجددة، وأكد الإمام القرافي أن الجمود على المنقولات مع تغير الأعراف والوقائع نوع من الخلل في الفهم الفقهي، بينما جعل الإمام الشاطبي مراعاة المآلات والمصالح من أسس الاجتهاد الشرعي.

وانطلاقاً من هذه الرؤية المقاصدية، فإن تطوير خطبة الجمعة في الغرب لا يعني التخلي عن الثوابت الشرعية، وإنما يعني البحث عن أفضل السبل لتحقيق مقاصدها في الواقع الجديد. فالمطلوب ليس تغيير الدين، وإنما تجديد وسائل تبليغه. وليس المقصود التنازل عن الهوية الإسلامية، وإنما تعزيزها من خلال خطاب أكثر قدرة على التواصل مع الإنسان المعاصر.

كما أن الثورة الرقمية فرضت تحدياً جديداً يتمثل في المنافسة الشديدة على انتباه الجمهور. فالمسلم المعاصر يتعرض يومياً لكم هائل من المعلومات والخطابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية. وإذا لم تستطع خطبة الجمعة أن تقدم محتوى عميقاً وواقعياً ومؤثراً، فإنها ستفقد تدريجياً مكانتها بوصفها مصدراً رئيسياً للتوجيه والتثقيف. ولذلك أصبح من الضروري أن يمتلك الخطيب أدوات معرفية وإعلامية حديثة تمكنه من مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة العصر دون التفريط في أصالة الرسالة.

إن مستقبل خطبة الجمعة في الغرب مرتبط بقدرتها على الانتقال من خطاب الحفظ إلى خطاب البناء، ومن التركيز على الماضي وحده إلى الربط الخلاق بين الماضي والحاضر، ومن الاكتفاء بتكرار الأحكام إلى بيان حكمتها ومقاصدها وآثارها الإنسانية والاجتماعية. فالمسلم الغربي اليوم لا يحتاج فقط إلى معرفة ما هو الحلال والحرام، بل يحتاج أيضاً إلى فهم كيف يمكن للقيم الإسلامية أن تساهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وتسامحاً وتوازناً.

وفي هذا السياق، ينبغي أن تتحول الخطبة إلى فضاء لترسيخ قيم المواطنة الإيجابية، واحترام القانون، وخدمة المجتمع، والحوار مع الآخر، ومقاومة التطرف والانغلاق، والدفاع عن الكرامة الإنسانية المشتركة. فهذه القيم ليست غريبة عن الإسلام، بل هي جزء من مقاصده الكبرى في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال وتحقيق العمران الإنساني.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه خطبة الجمعة في الغرب ليس في الحفاظ على وجودها الشكلي، بل في ضمان استمرار فاعليتها الحضارية والتربوية. فكلما اقتربت الخطبة من واقع الناس، واستحضرت مقاصد الشريعة، وتفاعلت مع تحولات العصر، ازدادت قدرتها على أداء رسالتها. وكلما ظلت أسيرة أنماط تقليدية لا تراعي تغير الزمان والمكان والإنسان، تراجعت قدرتها على التأثير مهما كانت نوايا القائمين عليها حسنة.

وبذلك يمكن القول إن خطبة الجمعة في السياق الغربي تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة اكتشاف رسالتها الأصلية بوصفها مؤسسة لصناعة الوعي وبناء الإنسان وتحقيق المصالح العامة. وإذا نجح الخطباء والمؤسسات الإسلامية في استثمار هذه الفرصة من خلال رؤية مقاصدية متوازنة تجمع بين الأصالة والتجديد، فإن الخطبة ستظل إحدى أهم أدوات الحضور الإسلامي الإيجابي في المجتمعات الغربية، وقناة فعالة لبناء جسور التواصل بين المسلمين ومجتمعاتهم، والمساهمة في صناعة مستقبل أكثر انسجاماً وعدالة وتعايشاً.