هذا المسار هو بالضبط ما حدث ويحدث اليوم مع ملف مخيمات الجيل الجديد، الذي قدمه وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد باعتباره انتقالا تاريخيا من مرحلة مخيمات الخيام المهترئة والبنيات التحتية المتآكلة، إلى فضاءات عصرية تراعي معايير الجودة والكرامة والسلامة...
لكن يبدو أن الكلام في المنصات الرسمية يبدو جذابا، بل هو ساحر إلى درجة تجعل المتابع يتخيل أطفال المغرب، خاصة المنحدرين من الفئات الهشة والطبقات المتوسطة، وهم يدخلون منتجعات سياحية متكاملة، لا مرافق عمومية ينهزم فيها الماء الصالح للشرب قبل وصول أفواج الطفولة، وتغيب عنها أبسط شروط النظافة والراحة الإنسانية... فيزج بالطفولة في فضاءات أصلا لم تشيد للتخييم.
فحين نغادر البلاغات الرسمية المكتوبة بعناية، وننزل إلى أرض الواقع الصلبة للبحث والتقصي، يطفة السؤال الحقيقي والملح الذي يتهرب الجميع من الإجابة عنه بوضوح، أين هي هذه المخيمات فعلا، وكيف سيعيش الأطفال تجربتهم الصيفية بعيدا عن شاشات العرض الرقمية.
قبة البرلمان، مسرح الوعود والأرقام اللامعة
لفهم حجم الهوة بين الخطاب والإنجاز، تكفي العودة إلى مضامين الأجوبة الكتابية والشفوية لوزير الشباب والثقافة والتواصل داخل قبة البرلمان. فخلال مناقشة الميزانيات الفرعية للوزارة، تم تقديم وعود حكومية قاطعة، مسجلة في محاضر الجلسات الرسمية، تفيد بافتتاح سبعة مراكز جديدة للتخييم، مع وضع هدف استراتيجي يرمي إلى رفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية إلى خمسة وعشرين ألف مستفيد في المرحلة الواحدة بحلول سنة 2026.
هذا الخطاب الضخم والأرقام اللامعة كانت جاهزة للاستهلاك السياسي والإعلامي، لكن تقارير اللجان النيابية المكلفة بالقطاعات الاجتماعية كان لها رأي آخر وهي توثق سيلا من أسئلة النواب البرلمانيين حول غياب العدالة المجالية، والتأخر غير المبرر في افتتاح مراكز التخييم الجاهزة. ممثلو الأمة تساءلوا صراحة عن الجدوى من ضخ ملايير السنتيمات في بنايات ستظل مغلقة لسنوات، في وقت يعاني فيه أطفال دوائرهم الانتخابية من الحرمان من الحق في العطلة.
وفي هذا السياق كشفت الوثائق البرلمانية أن الوزارة الوصية لم تقدم للرأي العام الوطني، ولا للفاعلين التربويين، لائحة دقيقة وشفافة توضح جرد هذه المخيمات السبعة. ما هي هذه المراكز بالأسماء والمواقع، أيها اشتغل فعلا واستقبل الأفواج البشرية، وأيها ما يزال مجرد مشروع فوق الأوراق الرسمية أو داخل مرحلة الأشغال البنيوية المعطلة. وهنا تتجلى الضبابية الإدارية، حيث يتم الخلط المتعمد بين إطلاق المشروع، والتدشين البروتوكولي، والافتتاح الفعلي للاستغلال.
مخيم الداخلة، الملايين المعلقة وأرشيف وكالة الأنباء
في العرف الإداري ذي الهوس السياسي، يمكن لمشروع عمومي واحد أن يفتتح ثلاث مرات متفرقة، مرة في البلاغ الصحفي، ومرة أمام الصحافة، ومرة أخيرة إن حالفه الحظ حين يدخله المواطن، مما يحول هذه الدورة الطويلة إلى جداول زمنية حكومية مطاطية.
ولتفكيك هذه الآلية، قمنا بتتبع مسار مشروع مخيم الداخلة. فالوزارة قدمت هذا المركز في منصاتها الرسمية باعتباره نموذجا يحتذى به لمخيمات المستقبل في الأقاليم الجنوبية للمملكة. وحسب سجلات البوابة الوطنية للصفقات العمومية، فإن المشروع يمتد على مساحة شاسعة تبلغ 33000 متر مربع، بتكلفة مالية ضخمة تفوق 61 مليون درهم.
وبالعودة إلى أرشيف وكالة المغرب العربي للأنباء، نجد أن الوزير ذاته أعطى انطلاقة الأشغال الرسمية خلال احتفالات المسيرة الخضراء. فتمت تغطية الحدث إعلاميا بشكل واسع، وتمت الإشادة بهذه الخطوة التنموية الكبرى. لكن، إلى حدود اليوم، وبعد انقضاء الآجال القانونية المحددة في دفاتر التحملات، لا توجد أية معطيات رسمية أو تقارير ميدانية تؤكد استقبال أول فوج من الأطفال، أو بدء الاستغلال الفعلي للمرفق. المخيم موجود في الصور الفوتوغرافية وتغريدات التواصل الاجتماعي أكثر مما هو موجود في الواقع المعيش لأطفال المنطقة.
هذه المفارقة تعيد طرح نقاش الحكامة، كيف يعقل أن تعتمد الوزارة على تصريحات إعلامية لإعلان الجاهزية، بينما سجلات الصفقات العمومية وتقارير المفتشية العامة لوزارة الاقتصاد والمالية تؤكد تعثر عمليات التسليم النهائي. المفتشية العامة، التي تراقب مسارات صرف الميزانيات الضخمة المخصصة لمشاريع البنية التحتية، رصدت في غير ما مرة تباطؤا في وتيرة الإنجاز وضعفا في التنسيق بين الإدارة المركزية والمقاولات نائلة الصفقات، مما يؤدي إلى تجميد ميزانيات طائلة كان من الأجدر أن تخدم الطفولة بشكل مباشر.
المجلس الأعلى للحسابات وفضائح اللوجستيك والإطعام
لا يمكن الحديث عن تجويد التخييم والانتقال إلى الجيل الجديد دون فتح ملف التدبير اللوجستيكي، وتحديدا صفقات الإطعام والنقل التي تلتهم الجزء الأكبر من ميزانية البرنامج الوطني عطلة للجميع. لسنوات طويلة، ظل هذا الملف محاطا بالكثير من الشبهات.
تقارير المجلس الأعلى للحسابات، في شقها المتعلق بافتحاص وتدقيق العمليات المالية لقطاع الشباب، وضعت الأصبع على الجرح. فقد سجل قضاة المجلس اختلالات متراكمة في تدبير صفقات الإطعام، مسلطين الضوء على رداءة الوجبات الغذائية المقدمة للأطفال، وضعف قيمتها الغذائية، وعدم مطابقتها في كثير من الأحيان لدفاتر التحملات. التقارير وثقت كذلك تكرار حوادث التسمم الجماعي ولو معزولة داخل بعض المراكز نتيجة غياب المراقبة الصحية الصارمة على الشركات الحائزة على الصفقات.
التحول نحو الجيل الجديد كان يقتضي، منطقيا وقانونيا، صياغة دفتر تحملات صارم يقطع مع زبونية الصفقات الإقليمية، ويضمن تقديم تغذية متوازنة. لكن الواقع الميداني يثبت استمرار التفاوت الكبير في جودة الخدمات بين مركز وآخر. جودة الأكل تخضع غالبا للمزاجية الفردية لمدبرين ما ومدى صرامة لجان التفتيش التي تأتي في الغالب ضمن زيارات معلنة ومبرمجة مسبقا، مما يتيح للشركات تجميل الواقع مؤقتا هربا من المحاسبة.
أما ملف النقل، فيشكل كابوسا سنويا يؤرق العائلات والجمعيات على حد سواء. فرغم الشراكات المبرمة والاعتمادات المرصودة، فإن تقارير الافتحاص والبيانات الجمعوية تؤكد أن ظروف نقل آلاف الأطفال في فترة زمنية وجيزة تعرف ذروة السفر الصيفي تؤدي إلى ضغط لوجستيكي رهيب ومخاطر حقيقية على السلامة. الأطفال يقضون ساعات طويلة في المحطات أو داخل حافلات بعضها متهالكة تفتقر لمكيفات الهواء في درجات حرارة قياسية، مما يجعل رحلة السفر إلى المخيم قطعة من العذاب بدل أن تكون بداية لتجربة ممتعة.
الجامعة الوطنية للتخييم وتدبير " الأزمة"
الركيزة الثانية لأي نظام تخييم ناجح هي العنصر البشري المؤطر. لسنوات طويلة، شكلت الحركة الجمعوية المغربية بمختلف تلاوينها التربوية والكشفية المحرك الأساسي للمخيمات الصيفية بفضل آلاف المتطوعين من الشباب. اليوم، تعيش هذه العلاقة بين الوزارة والجامعة الوطنية للتخييم نوعا من التوتر الصامت والأزمة الهيكلية العميقة.
في هذا الصدد، فالتقارير التقييمية الصادرة عن الجامعة الوطنية للتخييم بعد نهاية كل موسم، رصدت أكثر من مرة، وبشكل مباشر أعطاب اللوجستيك ومشاكل النقل، لكنها تركز بشكل أساس على تراجع الحصص الممنوحة للجمعيات التربوية التاريخية ذات الباع الطويل في التأطير. البلاغات هنا وهناك ذات الطابع الاحتجاجي للجمعيات التربوية الوطنية تندد بشكل مستمر بالتوزيع غير العادل للمقاعد، وتوجيهها لصالح جمعيات حديثة التأسيس توصف في الأوساط التربوية بالمقربة من الحزب الحاكم أو الموالية للتوجهات الوزارية، مفيدة أن القطاع في تم رهنه في دوامة التسييس والزبونية الحزبية الضيقة على حساب الجودة التربوية.
هذه البلاغات تندد أيضا بتدهور البنيات التحتية في بعض المراكز القديمة، والغموض الذي يلف موعد افتتاح المراكز الجديدة. المقالات الاستقصائية والتغطيات الميدانية للصحافة المغربية واكبت مرارا إعطاء انطلاقة أشغال مراكز توفليحت وتغازوت ووادي شبيكة، واستبشر الفاعلون خيرا، لكن توالي المواسم أظهر أن هذه الأوراش تحولت إلى مشاريع معلقة. الجمعيات تجد نفسها مضطرة لتأطير الأطفال في فضاءات تفتقر لأدنى شروط السلامة، بينما المراكز الحديثة مغلقة في انتظار الشريط الأحمر الملعون.
إقصاء أطفال المغرب العميق وغياب العدالة المجالية
في خضم الترويج لمخيمات الجيل الجديد، يبرز لغز العدالة المجالية كواحد من أكبر إخفاقات السياسة العمومية في هذا القطاع. البلاغ الرسمي يتحدث بنبرة احتفالية عن المراكز الجديدة، لكن الواقع يسأل بمرارة، لماذا ما تزال مناطق جهوية كاملة، وخاصة في الجنوب الشرقي والأطلس والمناطق الحدودية، خارج العرض التخييمي الوطني.
أطفال مدن مثل طاطا، زاكورة، تنغير، فكيك، ورزازات، وجرادة، يضطرون إلى قطع آلاف الكيلومترات في ظروف نقل قاسية للوصول إلى مركز تخييم ساحلي، في حين تفتقر جهاتهم لمراكز تخييم جبلية أو قريبة من مجاريهم المائية تمكنهم من قضاء عطلتهم بكرامة وفي ظروف مناخية ملائمة.
غياب العدالة المجالية الذي نبهت إليه الأسئلة البرلمانية بقوة، يؤكد أن التخطيط الاستراتيجي داخل الوزارة ما يزال يخضع لمنطق المركزية المفرطة، وتفضيل الواجهات السياحية المعروفة لتسهيل عمليات التسويق الإعلامي، على حساب تلبية حاجيات المغرب العميق. هذا التمييز المجالي يفرغ شعارات التنمية المستدامة من محتواها، ويحول التخييم من حق كوني لكل طفل مغربي إلى امتياز جغرافي يستفيد منه البعض على حساب آخرين يعانون من تهميش مضاعف، تهميش تنموي طيلة السنة، وتهميش ترفيهي في فصل الصيف.
استدامة المشاريع، سؤال الإغلاق الموسمي والهدر المالي
من بين أكبر العيوب الهيكلية التي تعيب تدبير قطاع التخييم والتي رصدتها لجان الافتحاص، هو اقتصار استغلال هذه المنشآت الضخمة على فترة زمنية لا تتعدى شهرين أو ثلاثة أشهر في السنة. وباقي أشهر السنة، تتحول هذه المراكز والمخيمات التي استنزفت الملايين من ميزانية الدولة إلى فضاءات مهجورة تتعرض تجهيزاتها للتلف والرطوبة والسرقة، في غياب استراتيجية واضحة للحراسة والصيانة المستمرة.
مقاربة الجيل الجديد الحقيقية كانت تقتضي طرح تصور يقطع مع هذا الهدر الزمني والمكاني، عبر تحويل هذه المراكز إلى منشآت سياحية تربوية واجتماعية مستدامة تشتغل طيلة السنة. يمكن استغلال هذه الفضاءات لتنظيم رحلات مدرسية، دورات تكوينية للشباب، واستقبال الوفود الرياضية والثقافية. هذا التشغيل المستمر يضمن تحقيق مداخيل مالية ذاتية تساهم في صيانة المراكز وتخفف العبء المالي عن الميزانية العامة، بالإضافة إلى خلق فرص شغل قارة لأبناء المناطق المضيفة بدل الاكتفاء بالانتعاش الموسمي العابر. لكن غياب هذه الرؤية المندمجة يؤكد أن القطاع يدار بعقلية تدبير الأزمات والمواسم، وليس بعقلية الاستثمار الاستراتيجي في رأس المال البشري.
المواطن المعلق في قاعة الانتظار
في نهاية هذا التحليل والاستقصاء، الذي قاطع بين السجلات البرلمانية، أرشيف الصفقات العمومية، تقارير المجلس الأعلى للحسابات، بيانات الجامعة الوطنية للتخييم، والواقع الميداني، تبرز حقيقة واحدة ساطعة. المعضلة ليست في أن الدولة تبني ببطء، فكل الدول تواجه إكراهات تقنية ومالية. المعضلة الحقيقية والجرح النازف في التجربة المغربية هو هذا التضخم الخطابي المزمن والمرض التواصلي الذي يغطي على الفشل الإداري.
كل مشروع صغير يتحول في لغة بنسعيد إلى تحول تاريخي غير مسبوق، وكل حجر أساس يوضع في إقليم ناء يصبح بقدرة قادر رؤية استراتيجية، وكل مخيم قيد الإنجاز يقدم للرأي العام كما لو أنه يضج بضحكات الأطفال. في المغرب، المواطن البسيط ينام داخل الوعد أكثر مما ينام داخل المؤسسة.
إن إصلاح منظومة التخييم، والانتقال الفعلي وليس الوهمي نحو الجيل الجديد، لا يمر عبر قص الأشرطة الحمراء وصناعة البهرجة الإعلامية والتقاط الصور التذكارية. بل يمر عبر الصدق التواصلي، وتلقي رسائل الشكر، بل بتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة كما تنص على ذلك الوثيقة الدستورية وملاحظات قضاة الحسابات، وإقرار عدالة مجالية حقيقية تنصف أبناء الجبال والتخوم، ووضع مصلحة الطفل الفضلى فوق كل اعتبار سياسي أو حزبي عابر. إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى أطفال المغرب العميق خارج التغطية، ينتظرون عطلة لا تأتي، في مخيمات ولدت على الورق وابتلعتها لغة " المناظرات".






