في المغرب، كما في كل المجتمعات التي تمرّ بانتقالات سريعة وغير متوازنة، لا يقاس موقع الإنسان فقط بما تمنحه له النصوص القانونية من حقوق، بل بما يتاح له فعليا داخل الحياة اليومية. فالفارق بين الحق المكتوب والحق المعيش هو المساحة التي تتحدد فيها الكرامة أو تفرغ من معناها.
قد ينص الدستور على الحرية، وقد تعلن السياسات العمومية الالتزام بالعدالة الاجتماعية، غير أن المواطن يختبر هذه المبادئ في تفاصيل بسيطة: في قدرته على التعبير دون خوف، في فرص الشغل المتاحة له، في حقوقه كإنسان كرّمه الله قبل كل مخلوق، في جودة التعليم والعلاج، وفي إحساسه بأن صوته مسموع عندما يقصى أو يُظلم.. ذلك هو التعبير العام لمفهوم "الكرامة" لدى المواطن.
هذه الفجوة بين الخطاب والمؤسسة من جهة، والتجربة المعيشة من جهة أخرى، هي ما ينتج شعورا عميقا باللااعتراف. فبدل أن يُنظر إلى المواطن كذات لها حقوق غير قابلة للتفاوض، يُعامَل غالبا كملف، أو رقم، أو حالة ينبغي "تدبيرها". وهكذا يتحول التكيّف إلى فضيلة قسرية، ويُطلب من الفرد أن يخفض سقف توقعاته، وأن يتصالح مع اللامساواة، وأن يعتبر الامتيازات حقوقا، والحقوق امتيازات.
في هذا السياق، لا يعود السؤال المطروح هو: ماذا يضمن القانون؟ بل: إلى أي حد يسمح الواقع بترجمة هذا الضمان إلى حياة كريمة؟ فمجتمع تتسع فيه الهوة بين القول والفعل، ينتج مواطنين يعرفون ما لهم من حقوق، لكنهم لا يرونها متجسدة، فينشأ لديهم ذلك التوتر المزمن بين وعي بالاستحقاق، وواقع يفرض القبول بما هو أقل.
وهنا بالتحديد تصبح العدالة الاجتماعية، وحرية التعبير، ودولة القانون، ليست شعارات سياسية، بل شروطا نفسية وثقافية لسلامة الإنسان. فحين يُجبر المواطن على التكيّف أكثر مما يُعترَف به، لا يهدر فقط وقته وجهده، بل يهدر جزء من ثقته في المجتمع، وفي الدولة، وفي معنى الانتماء ذاته.
في قلب هذه الفجوة يعيش المغربي صراعا داخليا مركبا: بين ذات تُربّىَ على الصبر والخضوع باسم الاستقرار، وذات أخرى تحمل توقا عميقا إلى الاعتراف، والإنصاف، والحق في أن تكون مرئية ومسموعة. هذا التوتر ليس نفسيا فقط، بل هو نتاج بنية ثقافية وسياسية طالما فضّلت "الانضباط" على الكرامة، و"الهدوء" على العدالة.
الثقافة المغربية، في تناقضاتها الغنية، تعكس هذا الصراع بوضوح. فهي من جهة تحتفي بالإنسان كقيمة روحية وأخلاقية، ومن جهة أخرى تُعيد إنتاج خطاب يُحمّل الفرد مسؤولية فشله، بينما تخفي العوائق البنيوية التي تكبّل إمكاناته. وهكذا يتحول الطموح إلى عبء، والاحتجاج إلى تهمة، والسؤال إلى خروج عن الإجماع.
في هذا السياق، لا تُنتهك الحقوق فقط بالقوانين الجائرة أو بالممارسات القمعية المباشرة، بل أيضا عبر منظومة رمزية تقنع الإنسان بأن حدوده قدَر، وأن موقعه الاجتماعي هو ما يستحقه. وهذا أخطر أشكال العنف: أن يزرع القيد داخل الوعي، فيتحول إلى قبول، بل إلى دفاع عن الوضع القائم.
غير أن تاريخ المغرب نفسه يكذب هذا المنطق. فقد بُنيت لحظاته الكبرى - من مقاومة الاستعمار إلى معارك الحرية والعدالة - على أفراد وجماعات رفضوا أن يُختزلوا في ما فُرض عليهم، وتمسكوا بحقهم في أن يكونوا أكثر من مواقعهم في السلم الاجتماعي أو السياسي.
من هنا، يمكن القول إن الكرامة ليست شعارا، بل ممارسة ثقافية يومية. تبدأ من الحق في التفكير، وفي السؤال، وفي الاختلاف، قبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع أو قاعة المحكمة، لأن المجتمع الذي يُقمع فيه القلق المشروع، ويُشيطَن فيه الطموح، هو مجتمع يراكم الانفجار بدل أن يبني الاستقرار.
الإنسان المغربي، اليوم، ليس في حاجة إلى وصاية جديدة تُعيد إنتاج منطق "الرشد المؤجل"، ولا إلى خطاب يُملي عليه كيف يفكّر، ومتى يعترض، وأين يقف. ما يحتاجه، في العمق، هو فضاء عمومي يعترف بتعقيده، بتناقضاته، وبحقه في أن يكون في حالة تشكّل دائم، لا في وضعية انضباط دائم.
المواطن ليس مشروعا ناقصا في انتظار أن تكتمله الدولة أو تُهذّبه المؤسسة، بل هو ذات عاقلة، حية، تملك الحق في أن تُخطئ، وتُراجع، وتُعيد تعريف نفسها خارج القوالب الجاهزة.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه المجتمع ليس الفوضى، بل التدجين؛ ليس الصراع، بل الخضوع الصامت. حين يُطلب من الفرد أن يتصالح مع صورة أقل من إنسانيته - أن يقبل التهميش باسم الواقعية، أو الصمت باسم الاستقرار، أو الحرمان باسم "الظرفية" - فإن ما يُسلب منه ليس فقط حقا ماديا، بل جوهر كرامته بوصفه فاعلا أخلاقيا وسياسيا.
الكرامة.. في هذا المعنى، لا تُمنَح بمرسوم، ولا تُختزل في فقرة دستورية، بل تُنتزع من داخل الوعي، عندما يرفض الإنسان أن يُعرَّف من خارج ذاته، أو أن يُختزل في موقع اجتماعي أو وضع اقتصادي أو هوية مفروضة. إنها لحظة وعي يقول فيها الفرد: "أنا أكثر مما يُراد لي أن أكون"، ومن هذه اللحظة فقط تبدأ السياسة الحقيقية، وتبدأ المواطنة، ويبدأ التاريخ.
الكرامة.. ليست امتيازا تمنحه السلطة، ولا مكافأة تُمنَح مقابل الطاعة، بل هي القيمة التي تجعل الإنسان إنسانا قبل أن يكون مواطنا أو تابعا أو رقما في إحصاء. إنها الأساس الأخلاقي لكل حق، والمعنى العميق لكل حرية. حين تُمسّ كرامة الفرد، لا يُنتهك جسده أو رزقه فقط، بل يُصاب جوهر إنسانيته في الصميم. ولهذا، فإن المجتمعات التي تتسامح مع الإهانة اليومية - في الإدارة، في الإعلام، في الشارع، في الخطاب العام - تُراكم عنفا صامتا أخطر من أي قمع مباشر، لأنها تُدرّب الناس على قبول ما لا ينبغي قبوله.
وفي السياق المغربي، كما في غيره، تصبح الكرامة معيارا لصدق كل السياسات العمومية. لا قيمة لمشروع تنموي لا يحفظ ماء وجه الفقير، ولا معنى لإصلاح قانوني لا يُشعر المواطن بأن صوته محترم، ولا مصداقية لحرية إعلامية لا تحمي الصحافي من الإذلال الرمزي أو الاقتصادي. فحيثما تُحفظ الكرامة، تتجذّر الثقة، ويصبح القانون حليفا لا خصما، وتتحول الدولة من جهاز ضبط إلى إطار حماية. أما حين تُهدر الكرامة، فإن كل حديث عن الحقوق يغدو لغة بلا روح، ومؤسسات بلا شرعية أخلاقية.
ولهذا، فإن بناء مغرب ديمقراطي لا يمر فقط عبر إصلاح القوانين أو تحديث المؤسسات، بل عبر تحرير الوعي من ثقافة القبول الأدنى، ومن منطق الامتنان بدل الاستحقاق. فمجتمع لا يجرؤ أفراده على تخيل ذواتهم في أفق أوسع، هو مجتمع يدار بسهولة، لكنه لا يُحترم، ولا يَحترم نفسه.






