رأي

محمد الشمسي: مسيرة المحامين الخميس.. لا أتفق.. لكن سأشارك

إن المحاماة ليست ملكا للمحامين، مثلما القضاء ليس ملكا للقضاة ولا الصحة ملكا للأطباء، إنها حقوق ومكاسب مشاعة يملكها كل الشعب وكل الإنسانية، وإن علاقة المحامي بالمحاماة هي كعلاقة اللبنة الصغيرة في الجدار الطويل العريض العالي، وإنه شتان بين مِلك خاص يمكن الدفاع عنه بكل السبل التي تخطر على بال المالك، وبين حدود وسقف الدفاع عن مهنة مثقلة بإرث وتاريخ عظيمين...

وعليه فإني كمحام وكما لم أكن متفقا مع عدد من القرارات النضالية التي جرى تسطيرها أثناء نضالات المحامين في غيبة إجماع المحاميات والمحامين أو حتى توفر النصاب القانوني، مثل قرار الاعتصام بمقر محكمة الاستئناف بالدارالبيضاء، إلا أنني ألزمت نفسي المشاركة فيه، وبقيت حتى الساعة السادسة والنصف، وقد رأيت وسمعت بأسف كيف فض الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف  ذلك الاعتصام بكلمات رأيتها مهينة وجارحة للمهنة وليس لمن قيلت لهم، ولولا تدخل السيد النقيب لتعرضت المهنة لمذلة، ورغم ذلك تشجمنا واصطبرنا، ولم نشأ أن نخرق الصف مادمنا نخوض حربنا السلمية، وكما لم أكن متفقا مع بعض الشعارات التي ترفع في نضال مهني صرف، بأبعادها ودلالاتها البعيدة عن مطالب مهنية محددة في نقط محصورة، لكنني رددتها مع المرديين، صونا لوحدة الصف، وها قد طلع علينا خبر تنظيم مسيرة من المحكمة المدنية إلى محكمة الاستئناف بالدارالبيضاء. 

غير متفق لماذا؟:

لقد كان لي شرف تنظيم عدد كبير من الوقفات والاحتجاجات، كلها كانت ذات صبغة  اجتماعية مع فئات اجتماعية تعاني هشاشة وتطالب بفك عزلة ببناء مدرسة وقنطرة أو شق طريق أو كهربة دوار، وخضت في ذلك مواجهات كادت تؤدي لاعتقالي، وكفى بمحرك البحث غوغل شهيدا، وأقول هذا لأوضح أني غير متفق مع مسيرة الخميس ليس لتضارب التصريح مع الإذن أو بوجودهما من عدمه، أو خوفا على نفسي من ضرب أو اعتقال أو سجن حتى، فمن يعرف هذا العبد الضعيف يدرك أنه قاد لوحده مسيرته في قلب المحكمة الزجرية بعين السبع وبجانب المحكمة حتى أتاه اليقين، ومرة أخرى حسبنا محرك غوغل، لست متفقا مع مسيرة الخميس لأن فيها مخاطرة بمهنة شبيهة بديانة من حيث الطقوس والأعراف والتقاليد، مهنة أراها سفينة تحمل رسالة وتعبر مسارا خُطّ لها، ونحن بحارتها، كلما تعبنا أوتقاعدنا أو مُتنا استدبلنا جيل غيرنا، مهمة البحارة هي صون السفينة والسير بها دون المس بحمولتها ولا تغيير رسالتها ولا تبديل مسارها، لكن مع حمايتها من كل غرق وكل قرصان، فكيف لنا اليوم أن نخاطر بالسفينة ظنا منا أننا نبحر بها صوب شط الأمان؟ هل كل ما يحسبه بعضنا من حساب سيكون عائده بالمطلق مفيدا ناجعا للمهنة؟ ماذا لو انعطفنا بالمهنة نحو الجهة الخطأ؟ ألا نكون قد نخرنا سفينتنا بأنفسنا وسمحنا للمياه بدخولها وبالتبعية أغرقناها وأغرقنا الأجيال القادمة معنا وضيعنا الأمانة؟. 

لذلك قلت في مستهل قولي إن المحاماة ليست مِلكا للمحامين، وإن النضال حول الحق الشخصي أوسع مجالا من النضال داخل بوثقة مهنية مفعمة بإرث كبير جليل جسيم، ومتطلعة لآفاق شاسعة غير محدودة، ولذلك قلت إن المناضل حر في تسطير أشكاله النضالية كيفما كان مداها، مادامت مرتبطة به أو بفئة معينة، لكن لا يجب أن تكون مرتبطة بمهنة منظمة خاصة إذا كانت هذه المهنة قديرة عظيمة في حجم وقيمة مهنة المحاماة.

لذلك أنا غير متفق مع المسيرة، علما أن فكرة المسيرة ليست جديدة، ثم إن توقيتها لم يعد مجديا، فقد كانت تؤتي أكلها لو جاءت بقرار من المؤسسة، أوسبقت اجتماعات مجلس النواب، أو كانت في مستهل الاحتجاجات، أما وأن تأتي في الوقت بدل الضائع فهذا يحتاج منا تأملا،  دون أن أسمح لنفسي بالتشكيك في مهنية زميل أو زميلة، أعود لأقول ليس لنا الحق في الخروج بالسفينة عن مسارها حتى لا نقترف جريرة أمام التاريخ، فقد نعُدُّ 999 مكتسبا لمسيرة الخميس في أذهاننا، وقد تغيب عنا الخطيئة رقم 1000 حين نوقظ الوحش ليثأر من المهنة، فيزيح عنها الشراع ويسلبها الرسالة فتتيه في المحيطات المظلمة، وقد صدق أحدهم حين قال:"انظر جيدا لكل خطوة وفكر منذ البداية ما قد تكون عليه النهاية"، وقد آثرت أسلوب الإيحاء ويقيني راسخ في فطنة وذهاء المحاميات والمحامين، فأخشى ما أخشاه أن توضع المهنة نصب العيون، فيبتدعون لها قوانين نافذة حائزة لشروط التشريع تعمل على غل المحاماة بحجة إنقاذها من بعض أهلها...

ما العمل؟

عندما تكون الحرب النضالية في أوجها، لا نكتفي فقط بالاحتجاج، بل نقوي من يفاوض عنا ونمتنه ونشد أزره، ليس بمزيد من الهتاف، بل ببدائل ومقترحات تعبيرا منا عن حسن النوايا، فنحن لا نخوض حرب استقلال دولة أو معركة وجود، نحن لسنا حزبا معارضا، وليس من مهامنا كمحامين التصدي للسياسات العمومية، وليس لنا حساب لا مع الدولة ولا مع الحكومة، فنحن أبناء الدولة، والدولة دولتنا، ومن لديه حساب مع الدولة أو مع الحكومة نرجوه أن يخلع عنه بدلتنا ويعبر عن معارضته كما يشاء، هي فقط إجراءات ضريبية مجحفة، ومشاريع قوانين غاشمة، ومواجهة هذه العواصف هو من صميم عمل المحامي، وبما أن المفاوضات تقوم على التنازلات حسب مفهوم الصلح في قانون الالتزامات والعقود، فقد كان على زملائنا وزميلاتنا الذين لم يسجلوا أنفسهم لدى إدارة الضرائب أن يبادروا بالتسجيل يوما قبل بداية المفاوضات مع الحكومة، تسجيلا جماعيا نقوي به مكانة السيد النقيب في المفاوضات، ونعلن به أننا نتخذ من المساواة أمام القانون عقيدة وليس فقط شعارا، فإدارة الضرائب ليست بعبعا وأنا مسجل ضريبيا منذ  سنوات ولم يلحقني منها أي أذى، فلا ننسى أن غير المسجلين ضريبيا هم الذين جروا على المحامين كل هذه الأوجاع والمحن، فوزير العدل والوزير المنتدب لدى وزارة الاقتصاد والمالية يشهران إحصائياتهما في وجه الرأي العام الوطني، ويصبغان كل المحامين بلون التهرب الضريبي، كما كان علينا أن نجالس أنفسنا ونحاسبها قبل حساب إدارة الضرائب، لماذا يعيش عدد منا هشاشة مهنية تجعله في تباك مستمر؟ ولماذا لا يتوفر الكثير منا على مكاتب؟ وهل من نبل مهنة المحاماة وشرفها وسموها أن يمارسها المحامي بدون مكتب يليق برفعتها فيمارسها في المقهى أو في محل الموكل أو في ردهات المحاكم؟ أليس في ذلك مهانة للمهنة؟ فهذه المهنة التي نصفها في شعاراتنا بالسامية العالية إما أن تمارس بقواعدها وأصولها فتصان هيبتها وسؤددها أو ينسحب منها من لم يجد لها مخرجا، فالمحاماة لن تنزف لحال من لم يُجِدْ ممارستها، فهي معطاءة كريمة جوادة، فلينظر كل ذي عسر فيها مبرر عسره. 

سأشارك...

سأشارك في مسيرة الخميس، سأشارك مشاركة المكره، أولا لأن غيابي لن يضر كما حضوري لن ينفع، وثانيا لأني لن أترك زملائي وزميلاتي أمام المجهول، ذلك المجهول الذي جرى إقراره في ظروف متشنجة ومضطربة، سنتقاسمه جميعا، وحين أقول المجهول فخبرتي المتواضعة في تنظيم المسيرات علمتتي أن إعلان إنطلاق المسيرة بيدي لكن مآلها لا يعرفه أحد، وآمل أن ننصت لبعضنا البعض عندما تسكن العاصفة، وأن نظل كالبيان المرصوص قولا وفعلا، وأن لا يشعر الواحد منا أنه ليس بين بني عشيرته، وأن يكف لسانه من لا يسعفه القول في هذه الأيام العصيبة، وأن نقف جميعا لاستخلاص الدروس والعبر من هذه الأزمة، فلا يؤلم الدرس أبدا بغض النظر عن مدى مرارته...