قضايا

المداخل الستة لوقف لهيب الأسعار وتطويق الفقر

رضوان زهرو*

إن التنزيل السليم والعمل الجاد والجيد بالسجل الاجتماعي الموحد كآلية تقنية حديثة لتقديم الدعم الاجتماعي تقوم على الاستهداف المباشر، من خلال معرف رقمي مدني واجتماعي خاص بكل مصرح؛ عبر سجل وطني للسكان إلى جانب خلق الوكالة الوطنية للسجلات، بناء عل القانون 71/18 الخاص بمنظومة الدعم العمومي، كل ذلك سيمكن بلادنا من دون شك، من التوفر على قاعدة بيانات رقمية قوية وصلبة، تستطيع ان تحدد بدقة لائحة المحتاجين الحقيقيين، إلى الدعم العمومي، مع عمليات التتبع والتحقق والمراجعة الدورية لتلك اللائحة كلما تغيرت المعطيات الشخصية المرتبطة بالمصرح بإسم الأسرة، وذلك تحقيقا للحكامة الجيدة وتفاديا لكل أشكال الغش والتزوير أو الازدواجية في الاستفادة من الدعم العمومي.

هذا الأسلوب الحضاري، وهذه التقنية الحديثة والمجربة في أكثر من دولة، تأثيرها على ساكنة أغلبها من الفقراء والمساكين،  سيبقى محدودا  كما أي صندوق للدعم والمساندة كما يقترح البعض لمواجهة تدهور القدرة الشرائية نتيجة الارتفاع العام للأسعار، على غرار صندوق مواجهة أو التخفيف من تداعيات جائحة كوفيد 19 على الساكنة الهشة والفقيرة، (هذا الصندوق الذي كما نعلم جميعا جاء في ظروف خاصة وسياق مختلف تماما) وذلك لإكراهات عديدة؛ مادية وميزانياتية وأخرى تتعلق بصعوبة التحكم في ظاهرة بطبيعتها عائمة وغير مستقرة، مرتبطة أساسا، بالسوق وبالمنافسة وبحرية الأسعار، وقد تستمر معنا لوقت أطول.

 

إن المشكل في بلادنا، ليس مشكل تضخم ظرفي وطارئ، يمكن التغلب عليه ببرامج وإجراءات أو بخلق صناديق، وإنما هو مشكل بنيوي ومستدام، إنه مشكل الفقر.

هذا الفقر الذي يتخذ أشكالا متنوعة اليوم، تشمل ليس فقط انهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، وإنما انعدام الدخل أصلا، وقلة الموارد الكافية لضمان مستوى معيشي لائق.

 

ومن مظاهر هذا الفقر والجوع وسوء التغذية وسوء الصحة والوصول المحدود أو المعدوم إلى التعليم، وغيره من الخدمات الأساسية، كذلك انتشار الأمراض والوفيات، وانعدام المؤن والسكن غير المناسب، والعيش في بيئة غير آمنة، بالإضافة إلى انعدام المشاركة في صنع القرارات في الحياة المدنية والاجتماعية.

 

ولمكافحة الفقر أو على الأقل تقليصه، نحتاج  إلى إستراتيجيات وطنية مندمجة،  تتعدى مجرد خلق الصناديق،  استراتيجيات تعمل على زيادة امتلاك الفقراء للأراضي، خاصة في القرى والبوادي وتكوين اليد العاملة والزيادة في عوامل الإنتاج المتاحة للفقراء؛ واستمرار هدف مكافحة الفقر في المخططات الوطنية للتنمية، وذلك في أفق إعادة اعتبار خط الفقر، ليأخذ في حساباته احتياجات الحياة الضرورية للمواطنين، من غذاء وغيره، حتى يعكس ذلك حقيقة الأبعاد المتعددة لطبيعة الفقر ونوعية الاحتياجات الأساسية (الغذاء والمسكن والخدمات الأساسية، وخدمات الصحة والتعليم والمواصلات...)، والرفع من فرص المساهمة الإيجابية المتاحة أمام الفقراء ومحدودي الدخل في عملية التنمية الاقتصاديه؛ كذلك تبني إستراتيجية لتوزيع المداخيل في كل السياسات والبرامج التنموية، وأن يكون هدفها الأول مكافحة الفقر المدقع، وإعادة هيكلة العمالة، وزيادة تنميه الأعمال التجارية والصناعية للأغلبية الفقيرة من السكان؛ مما قد يفضي في النهاية، إلى انخفاض معدلات الفقر، وتقليص الفوارق في المداخيل بين المجموعات المختلفة.

وبالإضافة إلى كل ما ذكر، وإلى جانب سياسة الدعم المباشر،  التي تنوي الدولة العمل بها، والتي ستستهدف الفقراء، وخاصة الذين هم في وضعية هشة، أسرا وأفرادا؛ والتي يجب أن تشمل تقديم إعانة شهريه، ليس فقط لمن يعيل أسرة، بل ومن يعيل نفسه بنفسه، أو يعيل معاق، وهو غير قادر على العمل لسبب أو لآخر.

 

نقترح الآتي:

  • أن يتضمن النظام الضريبي بعدا اجتماعيا واضحا، يستفيد منه الفقراء، وذلك بتأكيد مبدأ التصاعدية في الضريبة على الدخل، بالرفع من الحد الأدنى من الدخل الخاضع للضريبة، وتؤخذ الضريبة بعد خصم أقساط التأمين الصحي، ونسبة عدد الأطفال، وخاصة الممدرسين منهم، وذوي الإعاقة. 

 

  • تنمية الأسر الأشد فقرا: من خلال الأنشطة المدرة للدخل، وبرامج تمويلية تقدم قروضا بدون فوائد للفقراء، وبفترات سماح طويلة، وزيادة الخدمات الموجهة للمناطق الفقيرة، بهدف تحسين نوعية الحياة، وإنشاء المساكن للفقراء وترميم بعضها، وتوفير خدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء والصرف الصحي والتعليم، وتحسين الربط بالشبكة الطرقية؛ هنا برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في نسختها الثالثة، يمكن أن تقدم الشيء الكثير من أجل تدارك الخصاص المسجل على مستوى البنيات التحتية والخدمات الأساسية بالمجالات الترابية الأقل تجهيزا، ومواكبة الأشخاص في وضعية هشة، وتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، للحد من الفوارق المجالية والاجتماعية بالعالم القروي، وتحسين عرض الخدمات العمومية، وفق مقاربة مندمجة ومتكاملة العلاجية. 

 

  • برامج غير حكومية، تنفذها منظمات المجتمع المدني، بهدف تقليص الفقر، عن طريق زيادة مداخيل الأسر الأشد فقرا، من خلال تقديم قروض بدون فوائد للفقراء؛ كما تقدم الحكومة من جانبها، قروضا لهذه البرامج ودائما بدون فوائد، من أجل تمويل مشروعاتها للفقراء، في مجال الزراعة ومشروعات الأعمال الصغيرة، والمتناهية الصغر. 

 

  • تقديم قروض بدون فوائد لشراء مساكن اجتماعية قليلة التكلفة، من خلال صندوق خاص ينشأ لهذا الغرض، تحدد اعتماداته السنوية من الميزانية العامة للدولة، إلى جانب اعتمادات مالية أخرى، تدعم مشروعات اجتماعية موجهه لتطوير القرى والأنشطة الفلاحية الخاصة بالفقراء؛ الأمر الذي من شأنه أن يخلق طبقة وسطى نشيطة وفاعلة، في القرية والبادية.

​​​​​​​

  •  توفير مرافق البنية الأساسية، الاجتماعية والاقتصادية، في المناطق القروية والجبلية، المعزولة والفقيرة، بما في ذالك مرافق النقل والمواصلات، والمدارس، والخدمات الصحية، والماء والكهرباء... 

  • دعم الأدوية التي يستعملها الفقراء وخاصة تلك المنقذة للحياة، كذلك دعم القطاع الخاص من أجل فتح مراكز وعيادات صحية، خاصة في القرى والمناطق النائية والمعزولة، وتقديم خدمات بالمجان لرعاية صحة الحوامل والأطفال. 

​​​​​​​

  • وضع برنامج "قرى ومدن نموذجية من دون الفقر"، على غرار برنامج مدن من دون صفيح، تعمل فيها الدولة على مكافحة الفقر، وذلك لبلوغ أهداف التنمية. 

​​​​​

لقد تعددت البرامج والمخططات التي تهدف القضاء على الفقر والنهوض بالأوضاع الاجتماعية؛ لكن يبقى تنزيلها على أرض الواقع يشوبه الكثير من التعثر والارتباك؛ وهذا أمر طبيعي، لأن الفقر أكبر من كونه مشكلا اجتماعيا؛ فهو قبل ذلك ثقافة وسلوك، وشيوعه داخل المجتمع، يعني إحباط أجيال بكاملها؛ فلا تستطيع الاندماج في القطاعات الأكثر مردودية أو حتى الاستفادة من الخدمات الاجتماعية، من صحة وتعليم وسكن لائق؛ لأنها تبقى منشغلة أساسا بتلبية حاجياتها الضرورية؛ هذا الضعف في الاندماج في الحياة المهنية والمدرسية من قبل الفقراء وأبنائهم، يزيد من حدة الفقر، ويعيق أي مجهود للتنمية الاقتصادية وللسلم الاجتماعي؛ وبذلك نكون بصدد حلقة مفرغة، ليست لها لا بداية ولا نهاية.