رأي

محمد بوبكري: روبرت موغابي شارع العرعار

لقد سبق أن عبر الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" عن رغبته في طرح نص تشريعي جديد يمكنه من الترشح لعهدتين أخيرتين لرئاسة البلاد، الأمر الذي يمنعه الدستور الروسي حاليا، ليسير على نهج زعماء دول مثل الجزائر و"زيمبابوي" الذين رفضوا التخلي عن كراسي السلطة.
 ومادام زعيم الاتحاد يتمسك بعهدة ثالثة على رأس الاتحاد، فإنه لا يختلف في ذلك عن الزعماء الذين قتلوا شعوبهم من أجل البقاء على رأس هرم السلطة في بلدانهم، وذلك رغم أن هذا الزعيم لا يمتلك المؤهلات الفكرية، ولا التجربة، ولا الحنكة التي يمتلكها رموز الاستبداد في مختلف بقاع العالم، ما يعني أن زعيم الاتحاد هو الوجه المتخلف لاستبداد زعماء العالم، لأن النص القانوني يتعارض جذريا مع طموحاته التسلطية، كما أن الاتحاديين الشرفاء والمجتمع المغربي قد عبروا عن رفضهم لسعيه لخرق قانون الأحزاب في المغرب، ما حوله إلى مجرد نشاز في الساحة السياسية المغربية، فأصبح المغاربة يعتبرون طموحه التحكمي في الاتحاد سابقة خطيرة ينبغي الوقوف في وجهها للحيلولة دون تحققها. هكذا، فقد أصبح أغلب المهتمين بالشأن الحزبي في المغرب يرون في سعي هذا الزعيم مجر محاولة يائسة لسرقة الاتحاد من الاتحاديين وكذا من الشعب المغربي، حيث بات ينظر إلى الاعتداء على الاتحاد من قبل هذا الزعيم بكونه اعتداء على الشعب المغربي.
 لذلك، يطرح أغلب المغاربة السؤال الآتي: ما الذي يجعل زعيم الاتحاد يتمسك بالسلطة داخل الاتحاد إلى حد أنه قد يغير ، أو حتى يخرق، قانون الأحزاب، والقانون الأساسي لاتحاد، من أجل ضمان بقائه على رأس الحزب ؟ يبدو لي أن هذه النزعة السلطوية لدى الزعيم تتعارض جذريا مع طبيعة الحياة، حيث يريد أن يضفي على ذاته صفتي الدوام والبقاء، لأنه لا يعلم أن التناوب جزء من طبيعة الحياة، دون أن يعلم أن الموت جزء من الحياة، وأنه حقيقة لا يمكن إنكارها؛ فالعلماء والعباقرة يفهمون أنهم راحلون، ويعملون على أن يتركوا وراءهم إنجازات فكرية ومادية تمكنهم من الاستمرار في الحياة، حيث يخلدون أسماءهم في التاريخ عبر ما يخلفونه من إنجازات مهمة…
يكاد يجمع الباحثون على أن السلطة تمكن الزعامات السياسية من مراكمة الأموال، ما يجعل أغلب السياسيين متشبثين بالبقاء في مناصبهم، ويرفضون ترك كراسي السلطة، لأن ذلك يعني توقف تدفق الأموال التي تذرها الكراسي السياسية عليهم. يرى الباحث الأسترالي " نيك تشيسمات Nick Cheesman" في مؤلف جماعي يحمل عنوان "كيف تزور انتخابات؟ " أن الإجابة السهلة هي الفساد، "إذ يمكنهم ذلك من كسب مزيد من الأموال، والبقاء للحفاظ على الثراء. بيد أن الواقع يشير إلى أن ثمة أشياء أخرى أكثر تعقيدا". ويضيف هذا الباحث أن أكثر ما يخشاه الزعماء هو محاكمتهم بعد مغادرة السلطة، ولديهم من المعطيات الرهيبة التي تشكل الأسباب الوجيهة التي تصيبهم بالرعب…
 إضافة إلى ذلك، فإن زعيم الاتحاد الاشتراكي يريد أن يستمر على رأس الحزب لعهدة ثالثة ورابعة، بغية توفير المزيد من الشروط لتوريث الحزب لأبنائه، حتى يستفيد نسله من ريع التحكم في الحزب، ما يعني أنا أبناءه سيسعون إلى توريثه لأبنائهم، الأمر الذي يرفضه الاتحاديون والمغاربة قاطبة.
 هكذا، فإن المسلطة السياسية للزعامات تمكنهم من مراكمة الثروات، وهم يتمسكون بكراسي السلطة ضمانا لجمع المزيد من الأموال، كما أن بعض الزعامات السياسية في المغرب، التي تدعي الديمقراطية، قد حولت الانتخابات إلى وسيلة لمراكمة الأموال عبر توظيف سماسرة من محيطهم لإنجاز ذلك.. وجدير بالذكر أن المغاربة ورجال الإدارة يعلمون ذلك. وما دامت الانتخابات قد تم تحويلها من قبل بعض الزعامات السياسية إلى تجارة منظمة هدفها الإثراء غير المشروع، فإن هذه الزعامات السياسية ضالعة في إفساد البناء الديمقراطي، ما جعل الشعب المغربي ينظر إليها بكونها تشكل عائقا في وجه الطموح الديمقراطي للمغرب والمغاربة. لذلك نجد أن هذه الزعامات قد صارت محط نقد من قبل الشعب المغربي. وإذا كان واضحا أن حب المال هو الذي يجعل هذه الزعامات متشبثة بكراسي الزعامة، فإن ذلك يرجع أيضا إلى خوف هذه الأخيرة من المساءلة والمحاسبة، لأنها ارتكبت جرائم مالية كثيرة قد تعرضها للمحاكمات…
 يرى أغلب الباحثين في الشأن الحزبي أن زعماء الأحزاب يشعرون بضغوط تمارس عليهم من قبل أسرهم وأقاريبهم للبقاء في السلطة على رأس أحزابهم. ويرى الباحث الأسترالي "نيك تشيسمان" أنه حتى عندما يرى الزعيم السياسي أنه قد حان الوقت للانسحاب من السلطة، نجد مجموعة من الأشخاص يطلبون منه الإحجام عن ذلك، لأن الأمر لا يتعلق به فقط، بل إنه مرتبط بحياة أفراد الأسرة ومحيطه السياسي وحلفائه… لكن لماذا يتشبث أفراد الأسرة ببقاء الزعيم في السلطة؟ يعود ذلك إلى أن هؤلاء تعودوا على الاستفادة من العائدات الريعية للزعيم وفساده الانتخابي، وهم يرفضون انسحابه من السلطة، لأن ذلك سيؤثر على عوائدهم المالية. كما أنهم يخافون على مناصبهم التي سيفقدونها بسبب رحيل الزعيم. أضف إلى ذلك أن أتباعه وأزلامه يرفضون أن يرحل الزعيم ويتركهم يتامى، ما قد يتسبب لهم في فقدان مناصبهم، وتدهور مداخيلهم المالية، لأن بعضهم قد تحولوا إلى سماسرة انتخابات يبحثون عن الصيد السمين للزعيم، مقابل توصلهم بأموال كثيرة، حيث أصبح بعض هؤلاء السماسرة مليونيرات؛ وهم يتخفون من ضياع كل هذه الموارد منهم، لأنهم يعتقدون أن رفاهيتهم المادية قد باتت مرتبطة باستمرار الزعيم في السلطة…
ويرى الباحث " داتشر كيلتنر Dacher Keltner" أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا (بركلي) أن السلطة تُكسب صاحبها نوعا من الإدمان، حيث لا تكون عليه قيود، ما يجعله يسعى بكل حرية وراء تحقيق مصالحه ورغباته ومختلف متعه. ويضيف: "يشعر الأشخاص الذين يوجدون في السلطة بمزيد من السعادة، كما يشعرون بأنهم يتمتعون بمكانة أو تقدير أعلى..".
وتوصل "تشيسمان" إلى دليل يشير إلى أن الأشخاص الذي كانوا يحيطون برئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، في سنواته الأخيرة كانوا من المؤثرين في قرار تمسكه الجنوني بالسلطة، بيد أنه قد تكون هناك أشياء أكثر عمقا في هذه اللعبة، أو أشياء أخرى تتعلق بالسيطرة التي تمنحها السلطة في حد ذاتها.
يقول "داتشر كيلتنر" في كتابه "مفارقة السلطة" إن الأشخاص الذين يعتلون كرسي السلطة هم عادة اجتماعيون ومحبوبون، يكسبون، في البداية ثقة من حولهم. لكن عندما يتولى هؤلاء السلطة، يصبحون وحوشا آخرين تماما.
وخلصت مجموعة أبحاث إلى أن منح السلطة لأشخاص، حتى ولو بشكل تعسفي لفترة قصيرة، يؤدي إلى تغيير سلوكهم، إذ يبدو أن في التصرف بطرق يستفيدون منها، ويفقدون تعاطفهم مع الآخرين، فضلا عن الاعتقاد بأنهم على حق في كثير من الأحيان، ما يجعل الآخرين يفقدون الثقة فيهم…
هكذا يبدو لي أن هذه العوامل كلها هي التي أعمت زعيم الاتحاد وجعلته يصاب بجنون السلطة حتى بات لا يتردد في خرق قوانين البلاد، كما أن إصراره على البقاء على رأس الحزب يدل على أنه أصيب بعمى سياسي رهيب أسقطه في مستنقع المزايدة على الدولة والشعب معا، ما يعني أن سيسقط قريبا في هوة سحيقة ليس لها قرار.