تحليل

التحرش الجنسي، الابتزاز الجنسي، الرشوة الجنسية، حركة "MeToo" بالجامعة المغربية

حكيمة ناجي

إنها ظاهرة وليست حالات معزولة

تابعت عن كثب ما نشر في الصحافة حول موضوع التحرش الجنسي بالطالبات من طرف الأساتذة. دعنا نستعمل حتى الآن مصطلح ” التحرش الجنسي” إلى حين الخوض لاحقا ضمن هذا المقال في ماهية المفاهيم ذات الصلة   بحركة MeToo في صيغتها المغربية. انتفاضة الطالبات بدعم من زملائهن من الذكور والإناث شملت ست جامعات بأكبر المدن المغربية. جامعة سطات، جامعة وجدة، فالبيضاء ومراكش، ومكناس، طنجة. بل الغيض فاض حتى لدى بعض الأستاذات. كلهن تعرضن لأصناف متنوعة ومتكررة من الابتزاز الجنسي. إن الأمر ليس بحالة معزولة ولا حدثا عابرا شاردا حتى نشكك في الأمر ونعتبره مجرد مؤامرة، مؤامرة مَن، وعلى مَن؟

إن انتفاضة الطالبات ضد ما يتعرضن له من عنف جنسي تُذكرنا بانتفاضة الحركة النسائية في تسعينيات القرن الماضي لكسر طوق الصمت على العنف في الوسط الأسري. فكانت التهمة هي نفسها اليوم، التآمر ضد استقرار الأسرة وسلامتها ! فاتُهمت النسائيات بالتحريض على ذلك عندما أخرجت العنف من بين الجدران، كما تُتَهم اليوم بناتها مع فارق كبير جدا هي أن تهمة اليوم موجهة من لدن من يدَّعون حماية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

إننا نعيش اليوم بداية فتح ملف قديم في الممارسة جديد في النقاش العمومي. ملف جندرة سياسة محاربة الرشوة والفساد، بعدما طالها التعتيم لعشرات السنين في العالم وليس ببلادنا فحسب. كما كان الشأن بالنسبة للعنف الممارس ضد النساء والفتيات في الوسط الأسري وفي العمل وفي مؤسسات التعليم. فقد ظل هذا البعد الجنسي من الفساد حبيس الجدران، لأن مرتكبيه غالبا ما يمتلكون سلطة معنوية كبيرة ذات الصلة بموقعهم السياسي، أو الإداري، مضاف إلى ذلك خوف الضحايا لأن النساء كجنس في العقل الأبوي عاهرات بالجوهر، وكل ما يحدث لهن علاقة بالجنس يُحسب عليهن وحدهن. علاوة على ظروف الهشاشة والفقر التي تعيشها معظمهن، مما يجعل منهن لقمة صائغة في أفواه مصاصي الدماء؛ ومع ضعف سبل الانتصاف، وسيادة التضامن الذكوري الضمني منه والظاهر في المجتمع، تُفضل الضحايا مسلك المعاناة عن جبهة المواجهة.

إنه فعلا مسلسل طويل ذي حلقات مروعة قاسمها المشترك العنف الجنسي من طرف بعض المرضى بطاعون السلطة مقابل الجنس ضد طالبات وبعض الأستاذات. في البداية لابد من الإشادة بشجاعة هؤلاء الفتيات في فضح هذه الظاهرة لأنها فعلا ظاهرة وقديمة وتطال العديد من المؤسسات العمومية والخاصة والمدنية، وأن الجميع يعرف ذلك إما من قريب أو بعيد. فلا حاجة لإنكار وجودها لأن الشمس عندما تشرق لا يمكن تغطيتها بغربال.

هذا المسلسل المروع بدأت تفاصيله تنكشف منذ 2017، السنة التي انفجرت فيها قضية العنف الجنسي بهوليود وتبعها انبثاق حركة “MeToo” أنا أيضا” والتي انتشرت كالنار في الهشيم عبر العالم. وهي السنة التي بدأت فيها الطالبات بفضح ما تتعرضن له داخل الجامعة. بل إن ملف التحرش الجنسي أقدم من هذا التاريخ.  فأحداث جامعة القاضي عياض بمراكش وقعت بين 2007 و2010. وسلطت عليه الضوء الحركة النسائية والحقوقية منذ بداية الألفية الثانية، وجاءت في تقرير انتشار العنف الممارس على النساء للمندوبية السامية للتخطيط خلال 2019، إذ خصصت للعنف الممارس على الفتيات في أماكن العمل وأماكن التعليم والتكوين حيزا خاصا. فسجلت أن 15 بالمائة من النساء العاملات سبق وأن تعرضن للعنف بجميع أصنافه الممارس من طرف المسؤول التراتبي ب 41 بالمائة. وأن 22 بالمائة من التلميذات والطالبات صرحن بتعرضهن للعنف من طرف 46 بالمائة من الزملاء، و28 بالمائة من الأساتذة، وأن 37 بالمائة تعرضن للتحرش الجنسي. وجامعة الدار البيضاء وحدها تقدم مائة شخص، طلبة وأساتذة، بشكاية وضعت يوم 4 يناير الجاري، بسبب التحرش والعنف والتهديد وقعت أحداثها منذ 2020.

إن الابتزاز الجنسي في الجامعة ليس موجودا فحسب، بل أصبح ظاهرة تفقأ العيون في سياق فساد متعدد الأوجه تسلل لمنبت العلم والقيم منذ أن تعمم الفساد بالبلاد وطبع معه المجتمع وتهاونت الدولة في قطع جذوره. والحالة هذه، أصبح لزاما على وزارة التربية ووزارة التعليم العالي بمعية المندوبية السامية للتخطيط القيام بتقرير لمدى تفشي الظاهرة حتى يتسنى فعلا العمل على مناهضتها. لعل الأرقام والأشكال سوف تكون صادمة للغاية أكثر مما نتصور.

إن تكالب الإدارة والأساتذة بل والنقابة وبعض الفصائل من الأساتذة المحسوبين على اليسار وتضامنهم مع الجناة يشكل صفعة كبيرة أخرى لنعرف أين نحن من القيم الإنسانية وأين نحن من دولة الحق والقانون. بالرغم من وجود دلائل وشهود ونشر لحوارات تخلدها التكنلوجيا ولا حيلة مع التكنلوجيا اليوم. إن هؤلاء الضحايا وأخريات يتعرضن للتذبيح من طرف معنفيهن ومن طرف مَن من المفروض فيهم حمايتهن. هي عبارة عن جرائم جسيمة لما تتركه من آثار مدمرة طول الحياة ولما تفوته من فرص على أساس الاستحقاق.

عما نتكلم؟ لنقف عند المفاهيم!

هناك العديد من المُسميات الُمتداولة علاقة بالعنف الجنسي المبني على العلاقات غير المتكافئة في السلطة بين النساء والرجال بالجامعة. التحرش الجنسي، الابتزاز الجنسي، الرشوة الجنسية. وإن كان من الصعب الإلمام بكل جوانب تعريف هذه المركبات المصطلحية لأن الواقع شديد التعقيد والحدود الفاصلة لا تكون دوما واضحة نظرا للتفاصيل المحيطة به ودينامية الواقع المتغير باستمرار.

تداولت الصحافة مفهوم ” الجنس مقابل النقط العالية” في حملة فضح العنف الجنسي الممارس من لدن بعض الأساتذة ضد طالبات وبل وضد بعض الأستاذات. غير أن أشكال العنف الجنسي متعددة ولا يمكن اختزالها في “الجنس مقابل النقط”. وبما أن الواقع مركب وخلفيات هذا النوع من الفساد متعددة، فالأمر يقتضي منا جرد بعض الحالات الممكنة لاستيعابها ومَفهمتها حتى تدخل قاموس التداول الحقوقي والقانوني.

استعملت ترانسبرانسي مصطلح الرشوة الجنسية في منشوراتها، وتداول المجلس الوطني لحقوق الإنسان مصطلح “الابتزاز الجنسي ضد الطالبات”، والمتعارف عليه، المُتداول قبل مفترق الطرق هذا الذي رسمته حركة الطالبات المنتفضات، هو “التحرش الجنسي”. وعلى المستوى الدولي تتداول مصطلحات Extorsion sexuelle ou Sextorsion التي يمكن ترجمتها إلى العربية بالابتزاز الجنسي. وحسب الجمعية الدولية للقاضيات، يستعمل “الابتزاز الجنسيsextorsion ” لوصف شكل أصبح معروفا، ولكن لا يزال مسكوتا عنه، ” يحدث عندما يقوم أشخاص في موقع السلطة، كانوا قضاة أو حاكمون أو موظفون أو مدرسون او قيمون على تطبيق القانون أو مشغلون، بالبحث على مقابل جنسي لتقديم خدمة لهم السلطة عليها. وبهذا المعنى يكون الابتزاز الجنسي عبارة عن رشوة عملتها المتعة الجنسية التي يحصل عليها كل شخص يمارس شططا في السلطة التي يمتلكها. وكذلك يتداول مصطلح Corruption sexuelle ، إذا قمنا بترجمتها حرفيا، سوف نقول “الفساد الجنسي”، غير أن هذه الترجمة محفُوفة بالانزلاقات نحو مُقاربات أخلاقية تعميمية قد تنحرف عن الوصف الدقيق للواقع الذي نحن بصدده. ولذلك تمت ترجمتها ب “الرشوة الجنسية”. فما الفرق بين كل هذه التسميات؟ وهل هي لمسمى واحد؟ بالتأكيد لا. لنسق الحالات المُعاشة والتي كانت موضوع تنديد، والحالات التي لم يتم الكلام عنها خلال هذه الانتفاضة. وبناء على ذلك نُمَفهمُها ونرى كيف يمكن التعامل مع كل مفهوم. فالتسمية الدقيقة للظاهرة خطوة هامة في رحلة الألف ميل لاجتثاثها.

إن “الجنس مقابل النقط” ليس إلا ذلك الجزء البارز من جبل الجليد للعنف الجنسي الممارس أساسا على النساء. أولا نحن أمام صنف من أصناف الفساد غير المتداولة في النقاش العمومي؛ وثانيا هو فساد مبني على التمييز على أساس النوع. فهو فساد شديد التركيب، تتقاطع فيه سلطة الذكورة التي يمنحها المجتمع الابوي للرجال وتقابلها تبعية النساء، مع السلطة التي تمنحها حظوة الموقع التراتبي إداريا أو سياسيا او معرفيا… والمتغير في هذا الصنف من الفساد هو مقابل الخدمة، فيُعوض الامتياز المادي بامتياز المتعة الجنسية. وهذه المتعة الجنسية تأتي كمقابل لسداد خدمة قد تكون حقا مشروعا ومجانيا للمرتفق، وقد تكون امتيازا غير مستحق أو لا قانوني. ففي الحالة الأولى تعتبر ابتزازا جنسيا لأن الشخص المبتز يستحق شيئا لا يستطيع أن يناله وهي أقصى درجات العنف الجنسي، بل أكثر من ذلك فإنه يعاقب إذا لم يستجب للشخص الممارس للابتزاز. وإما أن يطلب شيئا غير مستحق كالتسجيل بالماستر أو الحصول على ديبلوم أو نقطة لامتحان لم يُجر أصلا، وفي هذه الحالات نحن أمام رشوة جنسية. ففي الحالة الأولى هناك ضحية هي تلك الطالبة التي حصلت على نقطة موجبة للسقوط أو حتى على نقطة تمكنها من النجاح، وهناك جان/فاسد مارس شططا في سلطته مقابل حصوله على الجنس كثمن. وفي حالة الرشوة الجنسية، هناك مرتشية طلبت شيئا لا تستحقه، وراش منحها شيئا غير قانوني تحت سلطته، فبذلك وجبت معاقبتهما معا كل حسب مسؤوليته.

وإذا كان التحرش الجنسي لا يخص أماكن العمل والتعليم والتكوين والمرافق العامة فحسب، بل يتعداها إلى الفضاء العمومي والخاص أيضا، فإن الابتزاز الجنسي والرشوة الجنسية لا تتم إلا في إطار فيه تراتبية بين صاحب السلطة وفاقدها في شروط زمانية ومكانية تؤطر هذه العلاقة التراتبية بين المرأة أو الفتاة الضحية وبين الرجل ذي السلطة بجميع أصنافها، أو بين المرتشي والمرتشية بعملة الجنس.

ونفس المنطق ينسحب على مؤسسات أخرى عمومية أو خاصة بما في ذلك مؤسسات حزبية أو نقابية أو غيرها. ويمكن القول ها هنا أن القادم قد يكون أفظع. فكلنا سبق وأن سمع عبارات ” هاذيك طلعت على اكتافها، والأخرى على البيرو” في تلك النقابة أو ذلك الحزب، في تلك الإدارة أو تلك الشركة…الخ. فكلنا عاهرات في المُتخيل الذكوري حتى يثبت العكس، وهذه أقصى درجات العنف التي تتعرض لها جميع النساء بدون استثناء مادام بهن قلب ينبض.

الابتزاز الجنسي من الخروقات الجسيمة ضد حقوق النساء والفتيات

ونظرا للأضرار الوخيمة للابتزاز الجنسي والرشوة الجنسية على النساء على المستوى النفسي والاجتماعي والمعنوي والمهني، وكذلك على التنمية لأنها تحرم المجتمع من عطاء كفاءات عالية كسرت في الطريق قربانا لنزوات مريضة، وتُعلي من شأن رداءة رفعت منزلة لا تستحقها ولن تُفيد فيها.. فعلاوة على إنهما ضرب لمبدأي تكافؤ الفرص والاستحقاق، فالابتزاز والرشوة الجنسيين يشكلان مسا خطيرا وإساءة جسيمة لحق النساء في العيش والتحصيل والتكوين والعمل في أمن وأمان؛ إنه الفساد الأكثر دمارا؛ فمعاناة النساء جراءه أكبر من معاناة الرجال لأن ذلك يزيد من إقصاءهن ويؤجج التمييز ضدهن.

وإذا كان هذا النوع من الفساد لا يدخل ضمن ما هو معروف في أدبيات محاربة الرشوة والفساد، فنظرا لخطورته وآثاره المدمرة على الفرد والجماعة، أصبح من الضروري العمل على إدخاله ضمن قاموس جرائم الفساد. إن الابتزاز الجنسي والرشوة الجنسية عبارة عن تركيز لأشكال متعددة من الشطط، تتقاطع فيه السلطة غير المتكافئة على أساس النوع، والسلطة التي تمنحها المكانة التراتبية في وسط العمل أو التعلم أو غيرهما.

فتعرية هذا الطابو تعد بمثابة تفكيك قلعة أخرى من القلاع المحصنة للمجتمع الذكوري، ولأنها كذلك فسنسمع كما سمعنا من قبل بأننا نتآمر على الاستقرار والسمعة الوهميين. فلا استراتيجية غير الفضح، وتعزيز المعرفة بالابتزاز والرشوة الجنسيين عبر التمحيص في واقعهما لكي يجدا مكانهما ضمن الأسس المعيارية. إن الدولة ومؤسساتها الاستشارية والتقريرية والتنفيذية مسؤولة على العمل من أجل وقف هذه الانتهاكات الجسيمة في حق النساء والفتيات. وعلى المنظمات النسائية والحقوقية القيام بأدوارها في الفهم والتحسيس والاقتراح وتتبع الفعل العمومي في هذا الشأن.