رأي

نوفل البعمري: تقرير غوتيريش وتعيين دي ميستورا .. دينامية أممية جديدة

شهر أكتوبر الحالي تحول منذ بدايته إلى شهر تعيش فيه القضية الوطنية على وقع دينامية أممية متسارعة، تتجه نحو إصدار قرار أممي جديد يتعلق بنزاع الصحراء نهاية هذا الشهر، وهي الدينامية التي تبدو أنها إيجابية، ستنعش الملف وتخرجه من حالة الجمود السياسي الذي عاشه منذ أبريل 2019، تاريخ استقالة المبعوث السابق كوهلر، الذي خلفه رسميا ستافان دي ميستورا، الذي حظي بدعم سياسي من طرف مختلف الدول أعضاء مجلس الأمن.

هذا الدعم السياسي التقى مع تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي رصد فيه مختلف التحولات التي شهدها الملف ككل والمنطقة من جانب الوضع الميداني، السياسي والحقوقي، وهو تقرير عمد إلى تقديم رؤية الأمانة العامة للأمم المتحدة للأحداث التي شهدها النزاع والمنطقة هذه السنة، بدءا بالعملية الأمنية المغربية التي قام بها الجيش المغربي في الكركرات، وصولا لافتتاح القنصليات الأجنبية في الداخلة والعيون، ومرورا بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وهي أحداث غطت جوانب مهمة من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، الذي يعتبر تمهيدا لما سيكون عليه الوضع أثناء مناقشة مسودة القرار الأممي الذي ستعرضه الإدارة الأمريكية على مجلس الأمن ثم مناقشته والتصويت عليه.

هاته الأحداث التي عاشتها القضية الوطنية على المستوى الأممي تشير إلى رغبة الأمم المتحدة في إخراج الملف من وضعيته الحالية، وضعية الجمود وتوقف العملية السياسية كما هي مؤطرة بقرارات مجلس الأمن حول الصحراء. هذه الرغبة تتزامن والتحولات الكبيرة التي شهدتها المنطقة ككل، والأقاليم الصحراوية الجنوبية كذلك، وهي كلها تحولات تشير إلى أن الملف قد يدخل مرحلة جديدة من الناحية السياسية في حال عمدت الأطراف الأخرى المعنية بالنزاع، خاصة منها الطرف الجزائري، إلى تليين موقفه، وتغيير سياسته العدائية تجاه المغرب، والانخراط الإيجابي في دعم العملية السياسية وفقا لقرارات مجلس الأمن حول الصحراء، آخرها قرار 2548 الصادر في أكتوبر الماضي.

وهي مرحلة سيحكمها الهاجس الأمني بالأساس، لأن أي انهيار للعملية السياسية أو استمرار تعطلها ستكون أولى نتائجه على الوضع الأمني ليس في الأقاليم الصحراوية الجنوبية الخاضعة للسيادة المغربية التي شهدت رسميا نهاية الطرح الانفصالي وانحصار تأثيره، بل على مستوى المناطق المحيطة بالمنطقة؛ نخص بالذكر منطقة جنوب الصحراء والتحديات الكبيرة المطروحة اليوم شمال مالي، هذه المنطقة التي يُراد اليوم تحويلها إلى تمركز جديد للتنظيمات الإرهابية التكفيرية، التي تستفيد من استمرار تعثر المسلسل السياسي، على اعتبار أن أي توقف للعملية السياسية فيه تغذية لحالة اللاأمن التي تعيشها المنطقة من خلال ارتفاع حالات هجرة شباب المخيمات بفعل تأثير اليأس والجمود نحو هذه التنظيمات الجهادية. هذه الهجرة التي لا تقلق النظام الجزائري بل هو من يغذيها لأنها تدخل ضمن مشروعه الهادف إلى محاولة عزل المغرب عن محيطه الإفريقي، وما استهداف السائقين المغاربة إلا واحد من مؤشراته الأمنية الخطيرة والسياسية.

الأمم المتحدة وهي تريد/تعيد إنعاش العملية السياسية، سواء بتعيين ستافان دي ميستورا أو بمضامين التقرير الذي عرضه الأمين العام للأمم المتحدة، تعكس رغبة أممية في المضي قدما نحو حل الملف نهائيا وتفكيك المخيمات، وضمان عودة سالمة لساكنة المخيمات إلى وطنهم المغرب. هذه الرغبة الأممية تصطدم بالمقابل برغبة جزائرية في استمرار النزاع وحالة اللاحرب واللاسلم التي يعيشها، وحالة التأزيم الداخلي للمخيمات التي أشار إليها التقرير الأممي، ما نتج عنها ازدياد حالة اليأس والإحباط في صفوف شباب المخيمات. وهذا التعارض بين الرغبتين على الأمين العام للأمم المتحدة أن يفكر في كيفية حسمه بدفع الدولة الجزائرية إلى أن تكون عنصرا إيجابيا في المسلسل السياسي، وفي تغيير موقفها من النزاع الذي يدفع في اتجاه المزيد من التصعيد.

ودون أن يكون هذا التدخل أمميا لدى الجزائر بشكل واضح وحاسم فإن كل هذه الديناميات الإيجابية التي قد يعيشها الملف على الصعيد الأممي سيكون مآلها الفشل، وستكون فقط مناسبة لتكرار إنتاج الجمود السياسي نفسه، والعودة إلى الحلقة المفرغة نفسها من اللقاءات التي ستكون بدون نتيجة ما دام الطرف الأساسي معرقلا لها، ومعرقلا للحل السياسي كما أقرته قرارات مجلس الأمن، ومعترضا على أي تقدم إيجابي قد يعيشه النزاع على المستوى السياسي.