[ kafapress.ma ] :: سعيد بوخليط: إشكالية الثقافي والسياسي
Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الأربعاء 16 أكتوبر 2019 العدد : 3112


سعيد بوخليط: إشكالية الثقافي والسياسي

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
رأي
| 08 يوليوز 2019 - 15:02

يصعب، حقيقة، تحديد مسافة زمنية ذات حيز واضح، جلية المعالم بكيفية لا لبس معها، حين محاولة التطرق إلى ممكنات فضاء الثقافي والسياسي، تحديدا وفق منطق الهوية الخالصة والصافية، التي لا تشوبها شائبة، المطمئنة تماما إلى امتلاء الشيء وحضوره المنتهي اكتمالا في ذاته، ثم تبلور مرتكزاته بغض النظر عن باقي العالم، وبالاستغناء عنه.

صحيح أن خصوبة المفاهيم يحكمها عموما، في تصوري، منطق اللاأمان هذا، حيث لعبة الجدال كامنة بقوة ومطلقا؛ وإلا استغرقتها الدوغماطيقية والعقائدية، التحجر والإفلاس التاريخي، ثم تزداد الإشكالية هشاشة، وتصير مهيأة أكثر كي تجعل النقاش عقيما بعد كل شيء، لا تخلص تأسيسيا إلى رؤية منفتحة على ممكنات منسابة تطوريا؛ وقد وجهتها نظرية ذات قاعدة صلبة. أقول، يحدث أمر من هذا القبيل؛ حينما يغيب النظام الإبستمولوجي، المحكوم طبعا بالتناظر النِّدّي بين الانفصال والاتصال، الائتلاف والاختلاف، التماثل والتباعد، المماهاة والتنافر...

وفق مختلف ذلك، لا ينزاح نقاش الثقافي/ السياسي عن سياق من هذا القبيل: فهو سؤال بنّاء، يراهن دائما على آفاق أخرى، حينما تتراكم، كميا ونوعيا، مرتكزات التكريس المعرفي للثقافة والسياسة، حيث يدرك كل واحد منهما، صراحة أو تضمينا، إطاره ومجاله. نتيجة، لا تتحقق بالسهولة المأمولة، سوى بالنسبة للمنظومات المجتمعية؛ المهووسة على الدوام بمساءلة واقعها المادي وتجلياته الرمزية. هنا تتلاقى السياسة والثقافة عند المصب نفسه، يشتغلان على التطلع ذاته، لكن ليس حتما تآلفهما أو تضادهما: السياسة تدبّر يومي، في إطار مشروع مجتمعي على المدى اللانهائي. سعي لن يتحقق سوى إذا صارت السياسة حقا مؤسسة 'وطنية' مكتملة البناء، شيدها، ولا يزال كذلك، الصرح الثقافي، التأملي للمجتمع. في نهاية المطاف، الثقافة أكبر من السياسة، بل تشملها، والأخيرة مجرد تجلّ ضمن باقي تجليات الأفق الثقافي عموما.

حين الإقرار بخلاصة هذه المعادلة، يحق هنا مبدئيا الجهر بأحقية تدبير الثقافي لأمور السياسة، وليس العكس، حتى تحافظ الثقافة باستمرار على مكانتها الأسمى، وتظل السياسة دؤوبة في اجتهادها، ضمن مرجعية حِكمة الثقافة.

صحيح، كما هو معلوم، وخلال زخم أزمنة المد اليساري، لا سيما سنوات السبعينيات والثمانينيات، وقبل التحول الجذري مع طفرة العولمة، بنظامها المعرفي المغاير تماما لكل ما مضى، اتفقت طيلة حقبة زمنية، ليست بالقصيرة، جل أدبيات الفكر الثوري على أن الثقافة - مجرد ممارسة إبستيمية- يلزمها قطعا الانقياد وراء محرض السياسة – الورش الإيديولوجي - التقدمية، بالتأكيد، تنحو منحاها يمينا وشمالا، أفقيا وعموديا. هكذا توارت الثقافة، يعني التأمل، التفكير، النقد، العقل، النسبي، الخيال، الموسوعية، تفاعل المعارف، التعدد... خلف الإقرار السياسي، أي الدوغما، التبرير، الظرفي، البعد الواحد، المطلق...

مع ولوجنا حقبة العولمة، بانقلابها المعرفي المماثل إن أردنا تقريب الرؤية بكيفية من الكيفيات، لما صنعته هندسة ريمان ولوباتشيفسكي بالتراث الأوقليدي، اقتضى السياق الانكباب قصد إعادة النظر في جل مرتكزات المنظومة الكلاسيكية، التي ارتكنت إلى بديهيات، لم تعد اليوم قادرة على مواجهة أسئلة مختلف كليا، قدر تشعبها الزئبقي، بالمرجعيات السابقة ذاتها: الدولة؟ المثقف؟ الطبقة الاجتماعية؟ فعل السياسة؟ موقع المثقف ودوره؟ الجمهور؟ الإيديولوجيا؟…، مثلما أن مكونات حقل الصراع تضاعفت واكتست مظاهر جديدة: طبعا حقوق الإنسان، دائما وأبدا، غير أن مفهوم الانتهاك حاليا تطور صوب أبعاد أخرى معقدة، وتجاوز الأمر مستوى العلاقة العمودية مع استبداد الدولة المادي! إشكالية بيولوجيا الجنس! أسئلة التغيرات المناخية! انبعاث قوميات جديدة ومفهوم الدولة الوطنية! مشكلات البيئة! اللوبيات الأممية المتوحشة! الهجرات! الحروب! الإرهاب! التطرف الديني والعرقي والجنسي!...

إذن، لم يعد مجديا راهنا البحث في الأسبقية التراتبية لعلاقة الثقافي بالسياسي، ومن ينبغي امتلاكه زمام المبادرة، بل أساسا مدى قدرتنا على صياغة نظام معرفي عبر بلورة فلسفة جديدة، يمكنها ملاحقة الأسئلة اللحظية المصيرية، المتغيرة كل آن، نتيجة الشروخ الزمانية والمكانية المهولة، التي تراكمها الثورة الرقمية والإعلامية.




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071