[ kafapress.ma ] :: زيارة الحبر الأعظم بابا الفاتيكان لمملكة التسامح
Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الأحد 21 يوليوز 2019 العدد : 3025


زيارة الحبر الأعظم بابا الفاتيكان لمملكة التسامح

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
خالد التوزاني
تحليل
| 27 مارس 2019 - 10:23

منذ عصور طويلة، عُرف المغرب بمملكة التسامح، وكان أرضاً للتعايش والحوار والتواصل، فقد أهّله موقعه الجغرافي ورصيده الحضاري في أن يكون صلة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وبين الشرق والغرب، وكان لملوكه وعلمائه دور كبير في تحقيق هذه الريادة.

إذا كانت الديانة الرسمية للمملكة المغربية هي الإسلام، فإن ذلك لا يعني نبذ الديانات الأخرى، بل لقد اعترف الإسلام بمختلف الديانات السماوية، وهُم أهل الكتاب، ودعا المسلمين إلى احترام الخصوصيات العقائدية لأتباع تلك الديانات، بل دعا الإسلام إلى حُسن الجوار والتعايش مع الآخر المختلف وإكرامه بحسن المعاملة، وتجنّب الإكراه الفكري والعقدي، حيث عدَّ الإسلام إكراه الناس وإلزامهم اعتناق الدّين بالقوة، ظلماً وعدواناً، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"، (سورة البقرة، الآية: 256). وكما أن الإسلام لا يُلزم أحداً بالدخول فيه، فإن أتباع الديانات الأخرى ينبغي أن يتحلوا بالحياد في الدعوة إلى دينهم، لأن العصر الحالي لم يعد عصر تبشير باعتناق أي دين، أو إبادة المخالفين، أو إكراه الناس على اعتناق مذهب معين، ففي ظل الانفجار المعلوماتي وثورة الإعلام والاتصال، أصبحت المعرفة في متناول الجميع، ولم يعد مقبولاً إلزام الناس على تبني تيار معين، وهذه عينُ الحرية التي يتبناها العالم اليوم، ومع ذلك نجد تنامي ظاهرة العنف الديني عبر تصاعد تيار اليمين المتطرف في كثير من دول العالم، والتي كان من نتائجها مجزرة نيوزيلاندا، والقادم أسوأ إن لم يتحرّك العالم لاجتثاث بذور العنف والكراهية وتجفيف منابع العدوانية القذرة.

وضمن هذا السياق العالمي، يحل كبير المسيحيين البابا فرانسيس بأرض التعايش والتسامح المملكة المغربية، ضيفاً مكرّماً وزائراً فوق العادة، محاطاً بالكثير من التقدير والاحترام، حيث يستقبله أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله، استقبالاً رسمياً، وفي حفل بهيج يقام على شرف ضيف المملكة، وعلى أنغام الأوركسترا الفيلارمونيكية للمغرب، تقدم لضيف المغرب هديتين؛ الأولى عبارة عن شجرة أركان صغيرة، تجسد الأخوة بين المغرب والفاتيكان، وبين الإسلام والمسيحية، فيما تتمثل الهدية الثانية في مجسم نحاسي للمسيح يرفع الصليب، أنجزه فنان تونسي مقيم في المغرب، ويبلغ طوله حوالي مترين، وللأهمية الكبرى التي يحظى بها هذا الحدث التاريخي، يحضر مع البابا فرانسوا حوالي ثلاثين من كبار مسؤولي الفاتيكان، إلى جانب عناصر حراسته الشخصية، وأكثر من 75 صحافيا لتغطية الزيارة الأولى من نوعها للحبر الأعظم، إلى بلد يُعتَبر البلد الأكثر أمناً في العالم، ولا شكّ أنَّ هذا الاستقبال يحمل من الدلالات الدبلوماسية والروحية الشيء الكثير، كما يعكس عمق الروابط التي تجمع المملكة المغربية بمختلف أتباع الديانات، و يدلُّ أيضاً على سياسة اليد المفتوحة التي ينهجها أمير المؤمنين الملك محمد السادس نصره الله، بل إن زيارة بابا الفاتيكان للمغرب قد جاءت بدعوة كريمة من الملك محمد السادس نصره الله، الشيء الذي يجعل من المغرب بلداً للتسامح والتعايش بامتياز ، وقبلةً للوافدين عليه للاستقرار أو الاستثمار أو العبور نحو الضفة الأخرى، أما الحريات الدينية فمكفولة للجميع في مملكة التسامح، فالكنائس في المغرب لم تتعرض يوما لأي اعتداء والمسيحيين يتجولون في المغرب بحرية ويمارسون شعائرهم الدينية بأمان ودون أي قيد أو شرط، حيث يحظى أتباع الديانات في المغرب بكل الاحترام والتوقير الواجب في حق هؤلاء، باعتبارهم مواطنين مغاربة أو سياح زائرين قد حلوا ضيوفاً ينبغي إكرامهم، أو باعتبارهم قد اختاروا المغرب بلد إقامة أو مكان للنزهة والسياحة والاستثمار، بسبب طبيعة المناخ المعتدل وتنوع جغرافيا المغرب التي تضم كل أنواع التضاريس، فضلا عن رصيد الاحترام الذين يوفرّه الشعب المغربي لكل الجنسيات وأتباع الديانات، فالمغاربة شعب منفتح على غيره، ومتسامح ومُسَالم، لا يؤذي أحداً ولا يسعى للتضييق على أحد، مما جعله بلداً مفضّلاً للإقامة وللاستثمار، ومنطقة تصدّر الأمن والسلم إلى العالَم.

إن هذه الزيارة ليست الأولى لبابا الفاتيكان، إذ سبق لملك المغرب الحسن الثاني، طيّب الله ثراه، أن استقبل سنة 1985 الحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية، البابا يوحنا بولس الثاني في زيارة رسمية للمغرب، وذلك بعد زيارة الحسن الثاني إلى الفاتيكان، عام 1980، وتحتفظ ذاكرة المغاربة بمشهد وصول البابا يوحنا بولس الثاني إلى المغرب وتقبيله الأرض مباشرة بعد نزوله من الطائرة، كتعبير عن محبته لأرض المملكة المغربية ودليل اعتزازه بها، كما ألقى آنذاك البابا يوحنا بولس خطاباً تاريخياً أمام آلاف المغاربة في ملعب محمد الخامس بالدار البيضاء، تناول فيه العلاقة بين الإسلام والمسيحية، ودعا للحوار بين الأديان، ونشر قيم التسامح والتعايش والمحبة بين أتباع الديانات، وهي المعاني التي تجسّدت في الشعب المغرب منذ عهود قديمة، وظلت راسخة إلى وقتنا الحاضر، كان من ثمارها هذا الاستقرار الذي ينعم فيه المغرب، في ظلّ العهد العلوي الزّاهر.

واليوم يعيد التاريخ نفسه، بزيارة فرانسيس بابا الفاتيكان للمغرب في نهاية مارس 2019، حيث أكّد القنصل الفخري للمغرب أنَّ الرباط تمثل قطباً أساسياً في الحوار بين الأديان، وأن زيارة بابا الفاتيكان ستكون الثانية من نوعها بعدما سبق للبابا يوحنا بولوس الثاني أن زار أرض المملكة في صيف 1985، والتقى حينها الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه.

وتأتي هذه الزيارة عقب تلك التي قام بها البابا إلى الإمارات العربية المتحدة، أشاد بها المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، معتبرا أنها تدعو إلى فتح صفحة جديدة من تاريخ العلاقات بين الأديان. ولا شك أنَّ المغرب قطب التسامح في العالم، يملك من رصيد التعايش المسيحي الإسلامي ما يؤهله للريادة في هذا المجال، والدفع بعجلة الحوار الديني نحو الأمام وفي اتجاه ترسيخ التواصل بين أتباع الديانات، استجابةً للطلب المتزايد على الأمن والسلم.

وقد رحب المدير العام للإيسيسكو السيد عبد العزيز التويجري، ، بزيارات البابا فرانسيس إلى الدول الأعضاء بالإيسيسكو، مشيدا بأهدافها الرامية إلى نشر قيم الاحترام والتسامح والتعاون بين أتباع الأديان في إطار المشترك الإنساني، ومواجهة تيارات الإرهاب والتطرف والكراهية في العالم والحد من الإساءة للأديان أو التطاول على مقدساتها، ومن أجل تعزيز الحوار بين الثقافات ونشر قيم التسامح والتعايش بين أتباع الأديان والثقافات، وما تبذله الإيسيسكو من جهود من أجل تعزيز علاقات التفاهم والتعاون بين المسلمين والمسيحيين والإسهام في توطيد أسس السلم والأمن الدوليين.

يسعى بابا الفاتيكان في رحلته نحو الدول الإسلامية، إلى توقيع بيان مشترك يحمل تعهدًا أخلاقياً وقانونياً بمواصلة تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين أتباع الديانتين، فلم يعد الوقت يحتمل تأجيل التعايش أو فرض الاحترام، وخاصةً أمام تزايد وتيرة الإرهاب الذي لا دين له، وأمام تهديد حياة الكثيرين، في أماكن العبادة تحديداً، وفي الأسواق والأماكن السياحية، ومن المؤكد أنَّ الحوار الديني المسيحي الإسلامي يمكن أن يسهم في ردم الهوة بين أتباع الديانتين، وإطفاء شرارة الكراهية والخوف، بتعزيز الحوار الإيجابي وترسيخ القبول بالاختلاف، والنظر إلى الإنسان باعتباره كائنا مُقدَّساً لا يجوز انتهاك حرمته أو الإساءة إليه بأي شكل من الأشكال.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يزور فيها البابا إحدى الدول الإسلامية؛ إذ سبق أن رحب به ملك الأردن في عمان، وزار بعض أقدس المواقع الإسلامية، بما في ذلك المسجد الأقصى في الأرض المقدسة والمسجد الأزرق في تركيا، وسافر كحاج للسَّلام إلى ألبانيا، وأذربيجان، ومصر، وجمهورية أفريقيا الوسطى حيث افتتح سَنَة الرَّحمة، وطالب بفتح الحوار الديني على مصراعيه، لتضييق الخناق على المتطرفين الذين يستغلون الدين لزرع الشقاق بين بني البشر، وهي زيارات تواصلية ولقاءات ثقافات بامتياز تعكس ليس قلق المسيحية على مصيرها ومستقبلها في العالم فحسب، وإنما أيضا قلق المسيحيين تجاه تنامي ظاهرة العنف الديني، تلك الظاهرة التي تتجاوز أضرارها الإساءة إلى الأفراد إلى الإساءة لشعوب ولدول وديانات، فكان من الضروري التصدي لها، بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، وعلى رأسها دبلوماسية رجال الدين وتكثيف الزيارات التي يمكن أن تذيب جليد التفاهم وتزيح عوائق التواصل والحوار.

وقد ورد في بلاغ نُشر على موقع فاتيكان نيوز، أن برنامج زيارة بابا الفاتيكان للمملكة المغربية، يشمل لقاء مجموعة من المهاجرين الذين يتلقون المساعدة من طرف كنيسة كاريتاس، وزيارة معهد إسلامي لإعداد الأئمة وهو معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الموجود بمدينة العرفان في الرباط، فضلا عن لقاء شخصيات دبلوماسية ودينية وعلمية وثقافية وازنة في المغرب، ويتضمن البرنامج أيضا زيارة ضريح محرر المغرب الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه، فضلا عن اللقاء بالملك محمد السادس نصره الله، ترسيخاً لمعاني التعايش في أسمى تجلياته وأبهى صوره، وهي الزيارة التي تأتي لمواجهة التطرف والحدّ من وتيرة الكراهية المتنامية عبر العالم.

كما تضمن برنامج اليوم الأخير من زيارة البابا فرانسيس إلى المغرب، زيارة المركز القروي للخدمات الاجتماعية في مدينة تمارة، ثم لقاء بالكهنة والرهبان ومجلس الكنائس بكاتدرائية الرباط، وعقب الغذاء يترأس البابا قدّاساً للطائفة الكاثوليكية في المملكة المغربية.

وجدير بالذكر أنَّ المغرب ومنذ عدة قرون مضت، قد اتبع سياسة وقائية من التطرف مانعة للتعصب، وذلك عندما اختار مؤسسة إمارة المؤمنين بوصفها ثابتاً راسخاً من مقومات هويته الدينية والوطنية، فضلا عن العقيدة الأشعرية المنفتحة، ومذهب الإمام مالك المعترف بالاختلاف والمُقِرّ بالأعراف، والسلوك الجنيدي المتّصف بالوسطية والاعتدال والتركيز على ما ينفع الناس جميعاً ويوحّد الأمّة، ضمن هوية متعددة الروافد تؤسّس للدولة المعاصرة في بعدها الكوني، الشيء الذي جعل من المغرب بلداً لتعايش الأديان وموطناً للسلام والوئام.

إنَّ الزيارة التاريخية لكبير المسيحيين البابا فرنسيس لدولة المغرب، في ظل الظروف التي يشهدها العالم اليوم، تؤكد الحاجة الملحة لحوار جادّ وصَّادق بين الأديان، لأننا في غياب هذا النوع من الحوار الصّريح، نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام العنف الديني أو الإلحاد أو التطرّف، أو الانحلال والتَّساهل، وفي هذه الحالات ستعاني البشرية من الوضع المتأزّم، لأنّ أسوأ الانتهاكات البشرية تُرتكب باسم الدّين، هذا ما أثبته التاريخ والأحداث والوقائع، ولا يعني ذلك محاولة شيطنة الدين، أو المساس بالإيمان، ولكننا في الواقع أمام حقائق دامغة تقول بوضوح أنَّ جلّ العنف الذي عرفته البشرية بل أشرسه، كان الدّين والدّفاع عنه العنوان الأبرز لهذا العنف، واللافت للانتباه أن يتّسع محيط هذا العنف ليشمل أتباع الدين الواحد قبل أن يمتدّ ضرره إلى أتباع الأديان الأخرى، فكان لابدّ من إحياء لقاء الثقافات وحوار أهل الديانات، وهي صناعة للحياة بلون الاختلاف وتعدد الرؤى والنظرات، وقد لا يتأتى تحقيق هذه الغايات إلا بفرض احترام الأديان بسنّ قوانين ملزمة للجميع، تكافح ضد كل أشكال التّمييز ونبذ خطاب الكراهية والعنف، إذْ إنَّ أوّل كراهية أنتجَتْ عُنفاً في العالم، كان لها سنَدٌ ديني، وهي حادث قتل هابيل على يد قابيل، ومنذ ذلك الوقت سال الكثير من الدم، دم العابدين والزاهدين والأبرياء الذين لم يرفعوا أيديهم لرد الصفعة، بل كانوا إلى التسامح مبادرين وإلى العفو والصفح أقرب، يقول السَّيد المسيح عليه السلام في "موعظة الجبل" الواردة في "إنجيل متى": من لطمك على خدك الأيمن، فأدر له الآخر أيضا، أحِبّوا أعداءكم، بارِكوا لاعِنيكم، أحسِنوا إلى مُبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يُسيئون إليكم، ويَطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السّماوات.."، وفي القرآن الكريم قول الله تعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" (سورة فصلت، الآية: 34-35).

وهكذا، فإن زيارة بابا الفاتيكان للمملكة المغربية، يحمل رسائل تؤكد أهمية الحوار الديني وأولوية التواصل بين أتباع الديانات، فلا شك أنَّ مِن مقاصد الأديان تحقيق التَّعارف والتّواصل بين النّاس، وإقامة المواثيق الإنسانية والاجتماعية لإرساء نوع من الأمان الدّينيّ، وفرض الاحترام بين الجميع، خاصةً وأنَّ الحوار الديني ليس غرضه ذلك الحوار العقائدي الذي يستهدف إثبات صحّة أو بطلان ما يعتقده الآخر، بقدر ما يهدف إلى تأسيس ثقافة احترام الاختلاف، وقبول المخالف و العيش المشترك معه وتبادل المنافع والمصالح دون أي خلفية إيديولوجية يمكن أن تحدّ من فعالية التواصل.

touzani79@hotmail.com




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071