[ kafapress.ma ] :: أحمد عصيد: نعم صحيح البخاري ليس صحيحا
Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الأربعاء 19 شتنبر 2018 العدد : 2710

أحمد عصيد: نعم صحيح البخاري ليس صحيحا

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
| 12 أبريل 2018 - 9:09

يعمد فقهاء التقليد ودعاة التشدّد في العديد من المناطق وعبر تحريك “المجالس العلمية” المحلية، إلى محاصرة مؤلف كتاب “صحيح البخاري نهاية أسطورة”، وذلك بالاتصال بالسلطات المحلية لمنع اللقاءات التي يحضرها الكاتب، بغرض توقيع كتابه للقراء الكثيرين الذين يطلبونه ويهتمون به، كما اتصلوا بالسلطات المحلية من أجل جمع الكتاب من المكتبات التي يباع فيها، كما ضغطوا لاستصدار أوامر بالحجز من القضاء، وبهذا صرنا أمام مشهد من القرون الوسطى حيث كان رجال الدين يستعينون بالسلطة الزمنية لقمع مخالفيهم في الرأي واضطهادهم وإحراق كتبهم، عندما يعجزون عن المناظرة والمواجهة الفكرية، ففقهاء التقليد الذين لا طاقة لهم بالنقاش والحجاج في قضية يعلمون أنها خاسرة مسبقا، لا يجدون أيسر من كيل الاتهامات وتحريك السلطة والأجهزة الأمنية وتأليبهم ضد من لا يفكر كما يفكرون.

حضرتني على هامش هذه الوقائع واقعة شبيهة حدثت خلال سنوات السبعينيات بالرباط، عندما أصدر أحد فقهاء سوس كتابا بعنوان “العمل السوسي”، الذي ضمنه اجتهادات فقهاء سوس في النوازل، وهو شبيه بكتاب “العمل الفاسي” الذي كان يتضمن كذلك اجتهادات فقهاء فاس، لكن المؤلف فوجئ بأن وزارة الداخلية قامت بمصادرة كتاب “العمل السوسي” من السوق وجمعه، فاضطر الفقيه السوسي إلى طرق أبواب السلطة حتى وصل إلى مدير التشريفات والأوسمة آنذاك عبد الحفيظ العلوي، الذي اتصل على الفور بوزير الداخلية ـ بنهمية آنذاك ـ مستفسرا إياه عن المنع الذي طال الكتاب، فأخبره الوزير بأن رئيس المجلس العلمي للرباط ـ سلا السيد المكي الناصري هو من اتصل به وأخبره بضرورة منع الكتاب لأن مضامينه “منافية للثوابت”، فسأله العلوي إن كان لديه تقرير مكتوب في الموضوع فأجاب بالنفي، فما كان منه إلا أن أجبره على ردّ الكتاب فورا إلى الناشر والسماح ببيعه قائلا: “كيف تمنع كتابا بمجرد محادثة شفوية ؟ إذا كان الناصري لا يعجبه الكتاب فليكتب في الردّ عليه”. طبعا لم يكتب المكي الناصري أي نص في نقد الكتاب، الذي بيع رغم ذلك. كان هذا في عز سنوات الرصاص، فكيف اليوم والسلطة لا تتوقف عن كسر أدمغتنا بشعارات كبيرة.

لقد كان ثمة خلاف فكري في منهجية النظر والاجتهاد والعمل بين فقهاء سوس وفقهاء فاس، كان فقهاء سوس أكثر انفتاحا على الواقع الإنساني، وكانوا يبذلون جهودا كبيرة في ملاءمة النصوص الدينية مع حاجات الواقع وإكراهاته، وهو ما لم يكن يستسيغه علماء الرباط وفاس، وبما أن هؤلاء كانوا أقرب إلى السلطة المركزية كما كان يحتل بعضهم مناصب الترأس والنفوذ، فقد كانوا يستعملون سلطتهم لقمع غيرهم، دون أن تكون لهم القدرة على المواجهة الفكرية.

يحدث نفس الشيء اليوم، حيث يعمد فقهاء المجلس العلمي الأعلى وفقهاء المجالس العلمية لمطالبة السلطة بمنع وحظر كل ما يتنافى مع آرائهم، بينما ضحاياهم لا يستطيعون ذلك لبعدهم عن مراكز السلطة.

ليس من حق السلطات المركزية أو الجهوية والمحلية من ولاة وعمال وباشوات أن يتدخلوا في نقاش فكري دائر في المجتمع، وعليهم إذا أرادوا أن يكونوا في مستوى مهامهم ألا يخضعوا لدوائر التقليد و فقهاء التشدّد، وأن يعملوا على حماية حق الجميع في الكلمة وإبداء الرأي. وليس من حق القضاة أن يصدروا أوامر قضائية بالحجز على الكتاب مستحضرين فقط صورة الغلاف وكلمة الإهداء، في غياب أية معرفة بمضامين الكتاب.

ثم هل نحن بحاجة إلى تذكير كل هؤلاء بعدم جدوى ما يقومون به من قمع وقهر، لقد أصبح العامة من الناس ـ بفضل مواقع التواصل الاجتماعي ـ يدركون أكثر من أي وقت مضى بأن “صحيح البخاري” ليس صحيحا، وأن الكثير من الأخبار الواردة فيه لا يقبلها عقل ولا واقع، وأنها تتعارض مع العلم ومع إنسانية الإنسان، لكن هؤلاء لم يقرروا الخروج من الدين الإسلامي ومغادرته إلى غيره من الأديان، ولم يبادروا بالتحول من الإيمان إلى الإلحاد، بل فقط اعتبروا البخاري بشرا يصيب ويخطئ . وبهذا انهدّ ركن من أركان التقليد والاجترار الباعث على التخلف الفكري والاجتماعي.

كان الناس يقدسون “صحيح البخاري” دون أن يعرفوا ما فيه من أخبار، كانوا يضعون ثقتهم في الفقهاء العارفين بالمتون والحواشي، وكان الفقهاء على علم بما في البخاري من مضامين غريبة يتسترون عليها ولا يطلعون الناس على مكنونها، وكانوا يصورون للناس كتاب البخاري كما لو أنه “العلم” كله، فقد عملت أدبيات الفقهاء عبر القرون، على جعل شخص النبي يحلّ بالتدريج محلّ الذات الإلهية نفسها، كما عملوا على جعل الحديث ناسخا للقرآن نفسه في أمور كثيرة، ونتج عن ذلك تراكم التقليد وتقليد التقليد، وانتهى الأمر بالمسلمين إلى الانغلاق في قلعة مظلمة إسمها الفقه الإسلامي، صار لها حراس وكهنة.

سكت الكثيرون أمام كتاب “صحيح البخاري نهاية أسطورة” والذين تململوا لكي ينبسوا ببنت شفة لم يفعلوا أكثر من توريط أنفسهم في مواقف محرجة، حيث لم يستطيعوا أن ينكروا وجود أخبار غير صحيحة في كناب “الصحيح” لكنهم في نفس الوقت لم يستطيعوا القبول بالطعن في الكتاب، لأن مشكلتهم مع منهج النظر لا مع مضمون الكلام، إنهم يرفضون النظر النقدي العقلاني، ولا يقبلون بغير الاتباع والتقليد، ولو أدى ذلك إلى تكريس الأخطاء وتعميق التخلف الذي صار بنيويا بالغ التعقيد.

الدكتور مصطفى بنحمزة رئيس المجلس العلمي لوجدة مثلا اكتفى بالقول إن الرجل “جاهل”، وهو يتحدث عن مؤلف كتاب “صحيح البخاري نهاية أسطورة”، لكنه لم يقل لنا إن كانت النسخة الأصلية للبخاري متوفرة لديه في مكتبته، حتى نستطيع تفنيد كلام المؤلف المذكور، ولم يقنعنا بأن الأحاديث الواردة في الكتاب المنسوب للبخاري كلها صحيحة حتى تطمئن قلوبنا ونخرج من الحيرة إلى اليقين، بل قام بجانب ذلك بإعلان تخصيص جائزة لمن يفند ما ورد في كتاب السيد رشيد أيلال، والسؤال المطروح هو التالي: إذا كان السيد بنحمزة دكتورا في علوم الشريعة ورئيس مجلس علمي فلماذا لا يقوم هو نفسه بتفنيد ما ورد في الكتاب المذكور والاحتفاظ بالجائزة لنفسه، فالمعروف في المقربين أولى، وليس هناك أقرب إليه من نفسه.

وفي انتظار صدور الجائزة المأمولة، أليس الأولى بنا حاليا أن نعمل على جعل المناظرة الفكرية بديلا للحصار والحظر والمنع، واستعراض العضلات الأمنية ؟ نحن دعاة الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة المواطنة والقانون على أتمّ الاستعداد للمناظرة ومقارعة الحجّة بالحجة في هذا الموضوع، والدعوة مفتوحة.




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071